الحديث عن الاسير في القوانين الوضعية تتحدث عنه الاف المواقع
على الانترنت خاصة مواقع الصليب الاحمر والقانون الدولي
الانساني
كما جاء في الموسوعة الفقهية عن الاسرى ما يلي
أسرى *
التعريف :
1 - الأسرى جمع أسيرٍ ، ويجمع أيضاً على أسارى
وأسارى .
والأسير لغةً : مأخوذٌ من الإسار ، وهو القيد ، لأنّهم كانوا
يشدّونه بالقيد . فسمّي كلّ أخيذٍ أسيراً وإن لم يشدّ به . وكلّ
محبوسٍ في قيدٍ أو سجنٍ أسيرٌ . قال مجاهدٌ في تفسير قول اللّه
سبحانه : {
ويطعمون الطّعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً
} الأسير : المسجون .
2 - وفي الاصطلاح : عرّف الماورديّ الأسرى بأنّهم :
الرّجال المقاتلون من الكفّار ، إذا ظفر المسلمون بهم أحياءً . وهو
تعريفٌ أغلبيٌّ ، لاختصاصه بأسرى الحربيّين عند القتال ، لأنّه
بتتبّع استعمالات الفقهاء لهذا اللّفظ يتبيّن أنّهم يطلقونه على
كلّ من يظفر بهم من المقاتلين ومن في حكمهم ، ويؤخذون أثناء الحرب
أو في نهايتها ، أو من غير حربٍ فعليّةٍ ، ما دام العداء قائماً
والحرب محتملةٌ .
من ذلك قول ابن تيميّة : أوجبت الشّريعة قتال
الكفّار ، ولم توجب قتل المقدور عليهم منهم ، بل إذا أسر الرّجل
منهم في القتال أو غير القتال ، مثل أن تلقيه السّفينة إلينا ، أو
يضلّ الطّريق ، أو يؤخذ بحيلةٍ فإنّه يفعل به الإمام الأصلح . وفي
المغني : هو لمن أخذه ، وقيل : يكون فيئاً . ويطلق الفقهاء لفظ
الأسير أيضاً على : من يظفر به المسلمون من الحربيّين إذا دخلوا
دار الإسلام بغير أمانٍ ، وعلى من يظفرون به من المرتدّين عند
مقاتلتهم لنا . يقول ابن تيميّة : ومن أسر منهم أقيم عليه الحدّ .
كما يطلقون لفظ الأسير على : المسلم الّذي ظفر به العدوّ . يقول
ابن رشدٍ : وجب على الإمام أن يفكّ أسرى المسلمين من بيت المال ...
ويقول : وإذا كان الحصن فيه أسارى من المسلمين ، وأطفالٌ من
المسلمين ... إلخ .
الألفاظ ذات الصّلة
أ - الرّهينة :
3 - الرّهينة : واحدة الرّهائن وهي كلّ ما احتبس
بشيءٍ ، والأسير والرّهينة كلاهما محتبسٌ ، إلاّ أنّ الأسير يتعيّن
أن يكون إنساناً ، واحتباسه لا يلزم أن يكون مقابل حقٍّ .
ب - الحبس :
4 - الحبس : ضدّ التّخلية ، والمحبوس : الممسك عن
التّوجّه حيث يشاء ، فالحبس أعمّ من الأسر .
ج - السّبي :
5 - السّبي والسّباء : الأسر ، فالسّبي أخذ النّاس
عبيداً وإماءً ، والفقهاء يطلقون لفظ السّبي على من يظفر به
المسلمون حيّاً من نساء أهل الحرب وأطفالهم . ويخصّصون لفظ الأسرى
- عند مقابلته بلفظ السّبايا - بالرّجال المقاتلين ، إذا ظفر
المسلمون بهم أحياءً .
صفة الأسر : حكمه التّكليفيّ :
6 - الأسر مشروعٌ ، ويدلّ على مشروعيّته النّصوص الواردة في ذلك ،
ومنها قول اللّه سبحانه : {
فإذا لقيتم الّذين كفروا فضرب الرّقاب حتّى إذا أثخنتموهم فشدّوا
الوثاق ...
} ولا يتنافى ذلك مع قول اللّه تعالى {
ما كان لنبيٍّ أن يكون له أسرى حتّى يثخن في الأرض
} لأنّها لم ترد في منع الأسر مطلقاً ، وإنّما جاءت في الحثّ على
القتال ، وأنّه ما كان ينبغي أن يكون للمسلمين أسرى قبل الإثخان في
الأرض ، أي المبالغة في قتل الكفّار .
الحكمة من مشروعيّة الأسر :
7 - هي كسر شوكة العدوّ ، ودفع شرّه ، وإبعاده عن
ساحة القتال ، لمنع فاعليّته وأذاه ، وليمكن افتكاك أسرى المسلمين
به .
من يجوز أسرهم ومن لا يجوز :
8 - يجوز أسر كلّ من وقع في يد المسلمين من
الحربيّين ، صبيّاً كان أو شابّاً أو شيخاً أو امرأةً ، الأصحّاء
منهم والمرضى ، إلاّ من لا يخشى من تركه ضررٌ وتعذّر نقله ، فإنّه
لا يجوز أسره على تفصيلٍ بين المذاهب في ذلك .
فمذهب الحنفيّة والحنابلة ، وهو مقابل الأظهر عند
الشّافعيّة : أنّه لا يؤسر من لا ضرر منهم ، ولا فائدة في أسرهم ،
كالشّيخ الفاني والزّمن والأعمى والرّاهب إذا كانوا ممّن لا رأي
لهم . ونصّ المالكيّة على أنّ كلّ من لا يقتل يجوز أسره ، إلاّ
الرّاهب والرّاهبة إذا لم يكن لهما رأيٌ فإنّهما لا يؤسران ، وأمّا
غيرهما من المعتوه والشّيخ الفاني والزّمن والأعمى فإنّهم وإن حرم
قتلهم يجز أسرهم ، ويجوز تركهم من غير قتلٍ ومن غير أسرٍ .
وذهب الشّافعيّة في الأظهر إلى أنّه يجوز أسر
الجميع دون استثناءٍ .
9 - ولا يجوز أسر أحدٍ من دار الكفر إذا كان بين
المسلمين وبينها عهد موادعةٍ ، لأنّ عقد الموادعة أفاد الأمان ،
وبالأمان لا تصير الدّار مستباحةً ، وحتّى لو خرج قومٌ من
الموادعين إلى بلدةٍ أخرى ليس بينهم وبين المسلمين موادعةٌ ، فغزا
المسلمون تلك البلدة ، فهؤلاء آمنون ، لا سبيل لأحدٍ عليهم ، لأنّ
عقد الموادعة أفاد الأمان لهم ، فلا ينتقض بالخروج إلى موضعٍ آخر .
وكذا لو دخل في دار الموادعة رجلٌ من غير دارهم بأمانٍ ، ثمّ خرج
إلى دار الإسلام بغير أمانٍ ، فهو آمنٌ لا يجوز أسره ، لأنّه لمّا
دخل دار الموادعين بأمانهم صار كواحدٍ منهم . ومثله ما لو وجد
الحربيّ بدار الإسلام بأمانٍ فإنّه لا يجوز أسره ، وما لو أخذ
الحربيّ الأمان من المسلمين وهو في حصن الحربيّين .
الأسير في يد آسره ومدى سلطانه عليه :
10 - الأسير في ذمّة آسره لا يد له عليه ، ولا حقّ
له في التّصرّف فيه ، إذ الحقّ للتّصرّف فيه موكولٌ للإمام ، وعليه
بعد الأسر أن يقوده إلى الأمير ليقضي فيه بما يرى ، وللآسر أن يشدّ
وثاقه إن خاف انفلاته ، أو لم يأمن شرّه ، كما يجوز عصب عينيه
أثناء نقله لمنعه من الهرب . فمن حقّ المسلم أن يمنع الأسير من
الهرب ، وإذا لم يجد فرصةً لمنعه إلاّ قتله فلا بأس ، وقد فعل هذا
غير واحدٍ من الصّحابة .
11 - وجمهور الفقهاء على أنّ الأسير إذا صار في يد
الإمام فلا استحقاق للآسر فيه إلاّ بتنفيل الإمام ، لا بنفس الأسر
، وذلك بأن ينادي في العسكر : من أصاب منكم أسيراً فهو له ، فإن
قال ذلك فأعتق الرّجل أسيره فإنّه ينفذ عتقه . ولو أصاب ذا رحمٍ
محرمٍ منه عتق ، لأنّه إذا ثبت الاستحقاق لهم بالإصابة صار الأسير
مملوكاً لآسره واحداً أو جماعةً . بل قالوا : لو قال الأمير : من
قتل قتيلاً فله سلبه . فأسر العسكر بعض الأسرى ، ثمّ قتل أحد
الأسراء رجلاً من العدوّ ، كان السّلب من الغنيمة ، إن لم يقسّم
الأمير الأسراء ، وإن كان قسمهم أو باعهم فالسّلب لمولى الأسير
القاتل . وقد فرّق المالكيّة بين من أسر أسيراً أثناء القتال
مستنداً إلى قوّة الجيش ، وبين من أسر أسيراً من غير حربٍ ، وقالوا
: إن كان الآسر من الجيش ، أو مستنداً له خمسٌ كسائر الغنيمة ،
وإلاّ اختصّ به الآسر .
حكم قتل الآسر أسيره :
12 - ليس لواحدٍ من الغزاة أن يقتل أسيره بنفسه ،
إذ الأمر فيه بعد الأسر مفوّضٌ للإمام ، فلا يحلّ القتل إلاّ برأي
الإمام اتّفاقاً ، إلاّ إذا خيف ضرره ، فحينئذٍ يجوز قتله قبل أن
يؤتى به إلى الإمام ، وليس لغير من أسره قتله ، لحديث جابرٍ أنّ
النّبيّ
e
قال :
« لا يتعاطى أحدكم أسير صاحبه فيقتله »
.
فلو قتل رجلٌ من المسلمين أسيراً في دار الحرب أو
في دار الإسلام ، فالحنفيّة يفرّقون بين ما إذا كان قبل القسمة أو
بعدها ، فإن كان قبل القسمة فلا شيء فيه من ديةٍ أو كفّارةٍ أو
قيمةٍ ، لأنّ دمه غير معصومٍ ، إذ للإمام فيه خيرة القتل ، ومع هذا
فهو مكروهٌ ، وإن كان بعد القسمة ، أو بعد البيع فيراعى فيه حكم
القتل ، لأنّ دمه صار معصوماً ، فكان مضموناً بالقتل ، إلاّ أنّه
لا يجب القصاص لقيام الشّبهة . ولم يفرّقوا في ذلك بين ما إذا كان
هو الآسر أو غيره كما يفيده الإطلاق . والمالكيّة يتّجهون وجهة
الحنفيّة من ناحية الضّمان ، غير أنّهم جعلوا التّفرقة فيما إذا
كان القتل في دار الحرب قبل أن يصير في المغنم ، أو بعد أن صار
مغنماً ، وينصّون على أنّ من قتل من نهي عن قتله ، فإن قتله في دار
الحرب قبل أن يصير في المغنم فليستغفر اللّه ، وإن قتله بعد أن صار
مغنماً فعليه قيمته .
والشّافعيّة أيضاً يلزمون القاتل بالضّمان ، فإذا
كان بعد اختيار رقّه ضمن قيمته ، وكان في الغنيمة . وإذا كان بعد
المنّ عليه لزمه ديته لورثته . وإن قتله بعد الفداء فعليه ديته
غنيمةً ، إن لم يكن قبض الإمام الفداء ، وإلاّ فديته لورثته . وإن
قتله بعد اختيار الإمام قتله فلا شيء عليه ، وإن كان قبله عزّر .
وعند الحنابلة : إن قتل أسيره أو أسير غيره قبل
الذّهاب للإمام أساء ، ولم يلزمه ضمانه .
معاملة الأسير قبل نقله لدار الإسلام :
13 - مبادئ الإسلام تدعو إلى الرّفق بالأسرى ، وتوفير الطّعام
والشّراب والكساء لهم ، واحترام آدميّتهم ، لقوله تعالى {
ويطعمون الطّعام على حبّه مسكينا ويتيماً وأسيراً
} ، وروي أنّ النّبيّ
e
قال لأصحابه في أسرى بني قريظة بعدما احترق النّهار في يومٍ صائفٍ
:
« أحسنوا إسارهم ، وقيّلوهم ، واسقوهم »
وقال :
« لا تجمعوا عليهم حرّ هذا اليوم وحرّ السّلاح ... »
وقال الفقهاء : إن رأى الإمام قتل الأسارى فينبغي له ألاّ يعذّبهم
بالعطش والجوع ، ولكنّه يقتلهم قتلاً كريماً . ويجوز حبس الأسرى في
أيّ مكان ، ليؤمن منعهم من الفرار ، فقد جاء في الصّحيحين أنّ
« الرّسول حبس في مسجد المدينة »
التّصرّف في الأسرى قبل نقلهم لدار الإسلام :
14 - يرى جمهور الفقهاء جواز التّصرّف في الغنائم - ومنها الأسرى
في دار الحرب - وقبل نقلهم لدار الإسلام . قال مالكٌ : الشّأن أن
تقسم الغنائم وتباع ببلد الحرب ، وروى الأوزاعيّ أنّ رسول اللّه
والخلفاء لم يقسموا غنيمةً قطّ إلاّ في دار الشّرك ، قال أبو سعيدٍ
الخدريّ رضي الله عنه :
« خرجنا مع رسول اللّه
e
في غزوة المصطلق ، فأصبنا سبياً من سبي العرب ،
فاشتهينا النّساء ، واشتدّت علينا وأحببنا العزل ، فأردنا العزل
وقلنا : نعزل ورسول اللّه
e
بين أظهرنا قبل أن نسأله ، فسألناه عن ذلك فقال : ما عليكم أن لا
تفعلوا ، ما من نسمةٍ كائنةٍ إلى يوم القيامة إلاّ وهي كائنةٌ »
فإنّ سؤالهم النّبيّ
e
عن العزل في وطء السّبايا دليلٌ على أنّ قسمة
الغنائم قد تمّت في دار الحرب ، ولما في ذلك من تعجيل مسرّة
الغانمين وغيظ الكافرين ، ويكره تأخيره لبلد الإسلام ، وهذا إذا
كان الغانمون جيشاً وأمنوا من كرّ العدوّ عليهم .
وقد نصّ الشّافعيّة على أنّ للغانمين التّملّك قبل
القسمة لفظاً ، بأن يقول كلٌّ بعد الحيازة ، وقبل القسمة : اخترت
ملك نصيبي ، فتملّك بذلك . وقيل : يملكون بمجرّد الحيازة ، لزوال
ملك الكفّار بالاستيلاء . وقيل : الملك موقوفٌ . والمراد عند من
قال يملكون بمجرّد الحيازة : الاختصاص ، أي يختصمون .
وصرّح الحنابلة بجواز قسمة الغنائم في دار الحرب ،
وهو قول الأوزاعيّ وابن المنذر وأبي ثورٍ لفعل الرّسول
e
ولأنّ الملك ثبت فيها بالقهر والاستيلاء .
15 - وعند الحنفيّة لا تقسم الغنائم إلاّ في دار الإسلام ، لأنّ
الملك لا يتمّ عليها إلاّ بالاستيلاء التّامّ ، ولا يحصل إلاّ
بإحرازها في دار الإسلام ، لأنّ سبب ثبوت الحقّ القهر ، وهو موجودٌ
من وجهٍ دون وجهٍ ، لأنّهم قاهرون يداً مقهورون داراً ، فلا ينبغي
للإمام أن يقسم الغنائم - ومنها الأسرى - أو يبيعها حتّى يخرجها
إلى دار الإسلام ، خشية تقليل الرّغبة في لحوق المدد بالجيش ،
وتعرّض المسلمين لوقوع الدّبرة عليهم ، بأن يتفرّقوا ويستقلّ كلّ
واحدٍ منهم بحمل نصيبه . ومع هذا فقالوا : وإن قسم الإمام الغنائم
في دار الحرب جاز ، لأنّه أمضى فصلاً مختلفاً فيه بالاجتهاد . وقد
روي أنّ
« الرّسول
e
أخّر قسمة غنائم حنينٍ حتّى انصرف إلى الجعرانة »
.
تأمين الأسير :
16 - يتّفق الفقهاء على أنّه يحقّ للإمام إعطاء الأمان للأسير بعد
الاستيلاء عليه ، لأنّ عمر لمّا قدم عليه بالهرمزان أسيراً قال :"
لا بأس عليك ، ثمّ أراد قتله ، فقال له أنسٌ : قد أمّنته فلا سبيل
لك عليه ، وشهد الزّبير بذلك "فعدّوه أماناً ، ولأنّ للإمام أن
يمنّ عليه ، والأمان دون المنّ ، ولا ينبغي للإمام أن يتصرّف على
حكم التّمنّي والتّشهّي دون مصلحة المسلمين ، فما عقده أمير الجيش
من الأمان جاز ولزم الوفاء به ، وأمّا آحاد الرّعيّة فليس لهم ذلك
، لأنّ أمر الأسير مفوّضٌ إلى الإمام ، فلم يجز الافتيات عليه فيما
يمنع ذلك كقتله . وذكر أبو الخطّاب أنّه يصحّ أمان آحاد الرّعيّة ،
لأنّ
« زينب بنت الرّسول
e
أجارت زوجها أبا العاص بن الرّبيع بعد أسره ، فأجاز
النّبيّ
e
أمانها »
. وتفصيل ذلك في مصطلح ( أمانٌ ) .
حكم الإمام في الأسرى :
17 - يرجع الأمر في أسرى الحربيّين إلى الإمام ، أو
من ينيبه عنه .
وجعل جمهور الفقهاء مصائر الأسرى بعد ذلك ، وقبل
إجراء قسمة الغنائم بين الغانمين ، في أحد أمورٍ : فقد نصّ
الشّافعيّة والحنابلة على تخيير الإمام في الرّجال البالغين من
أسرى الكفّار ، بين قتلهم ، أو استرقاقهم ، أو المنّ عليهم ، أو
مفاداتهم بمالٍ أو نفسٍ .
أمّا الحنفيّة فقد قصروا التّخيير على ثلاثة أمورٍ
فقط : القتل ، والاسترقاق ، والمنّ عليهم بجعلهم أهل ذمّةٍ على
الجزية ، ولم يجيزوا المنّ عليهم دون قيدٍ ، ولا الفداء بالمال
إلاّ عند محمّد بن الحسن بالنّسبة للشّيخ الكبير ، أو إذا كان
المسلمون بحاجةٍ للمال . وأمّا مفاداتهم بأسرى المسلمين فموضع
خلافٍ عندهم .
وذهب مالكٌ إلى أنّ الإمام يخيّر في الأسرى بين
خمسة أشياء : فإمّا أن يقتل ، وإمّا أن يسترقّ ، وإمّا أن يعتق ،
وإمّا أن يأخذ فيه الفداء ، وإمّا أن يعقد عليه الذّمّة ويضرب عليه
الجزية ، والإمام مقيّدٌ في اختياره بما يحقّق مصلحة الجماعة .
18 - ويتّفق الفقهاء على أنّ الأصل في السّبايا من
النّساء والصّبيّة أنّهم لا يقتلون . ففي الشّرح الكبير للدّردير :
وأمّا النّساء والذّراريّ فليس فيهم إلاّ الاسترقاق أو الفداء .
وتفصيله في ( سبيٌ ) . كما يتّفقون على أنّ الأسير الحربيّ الّذي
أعلن إسلامه قبل القسمة ، لا يحقّ للإمام قتله ، لأنّ الإسلام
عاصمٌ لدمه على ما سيأتي .
19 - ويقول الشّافعيّة : إن خفي على الإمام أو أمير
الجيش الأحظّ حبسهم حتّى يظهر له ، لأنّه راجعٌ إلى الاجتهاد ،
ويصرّح ابن رشدٍ بأنّ هذا ما لا خلاف فيه بين المسلمين ، إذا لم
يكن يوجد تأمينٌ لهم .
20 - وقال قومٌ : لا يجوز قتل الأسير ، وحكى الحسن
بن محمّدٍ التّميميّ أنّه إجماع الصّحابة . والسّبب في الاختلاف
تعارض الآية في هذا المعنى ، وتعارض الأفعال ، ومعارضة ظاهر الكتاب
لفعله
e
، لأنّ ظاهر قول اللّه تعالى : {
فإذا لقيتم الّذين كفروا فضرب الرّقاب
} أنّه ليس للإمام بعد الأسر إلاّ المنّ أو الفداء . وقوله تعالى {
ما كان لنبيٍّ أن يكون له أسرى حتّى يثخن في الأرض
} والسّبب الّذي نزلت فيه يدلّ على أنّ القتل أفضل من الاستبقاء .
وأمّا فعل الرّسول
e
:«
فقد قتل الأسارى في غير موطنٍ »
، فمن رأى أنّ الآية الخاصّة بالأسارى ناسخةٌ لفعله قال : لا يقتل
الأسير ، ومن رأى أنّ الآية ليس فيها ذكرٌ لقتل الأسير ولا المقصود
منها حصر ما يفعل بالأسارى قال بجواز قتل الأسير .
21 - ويتّفق الفقهاء على أنّ الأسرى من نساء
الحربيّين وذراريّهم ، ومن في حكمهم كالخنثى والمجنون ، وكذا
العبيد المملوكون لهم يسترقّون بنفس الأسر ، ويتّفقون على أنّ من
أسلم من الحربيّين قبل الاستيلاء والأسر لا يسترقّ ، وكذا بالنّسبة
للمرتدّين ، فإنّ الحكم بالنّسبة لهم الاستتابة والعودة إلى
الإسلام ، وإلاّ فالسّيف .
22 - أمّا الرّجال الأحرار المقاتلون منهم . فقد
اتّفقوا أيضاً على جواز استرقاق الأعاجم ، وثنيّين كانوا أو أهل
كتابٍ . واتّجه الجمهور إلى جواز استرقاق العرب على تفصيلٍ بينهم .
والحنفيّة لا يجيزون استرقاق مشركي العرب .
الفداء بالمال :
23 - المشهور في مذهب المالكيّة ، وهو قول محمّد بن الحسن من فقهاء
الحنفيّة ، ومذهب الشّافعيّة ، والحنابلة في غير روايةٍ عن الإمام
أحمد : جواز فداء أسرى الحربيّين الّذين يثبت الخيار للإمام فيهم
بالمال . غير أنّ المالكيّة يجيزونه بمالٍ أكثر من قيمة الأسير ،
وعن محمّد بن الحسن - كما نقل السّرخسيّ عن السّير الكبير - تقييد
ذلك بحاجة المسلمين للمال ، وقيد الكاسانيّ هذا بما إذا كان الأسير
شيخاً كبيراً لا يرجى له ولدٌ . وأجازه الشّافعيّة بالمال دون قيدٍ
، ولو لم تكن ثمّة حاجةٌ للمال ، ونصّوا على أنّه للإمام أن يفدي
الأسرى بالمال يأخذه منهم ، سواءٌ ، أكان من مالهم أم من مالنا
الّذي في أيديهم ، وأن نفديهم بأسلحتنا الّتي في أيديهم . أمّا
أسلحتهم الّتي بأيدينا ففي جواز مفاداة أسرانا بها وجهان ، أوجههما
عندهم الجواز . واستدلّ المجيزون بظاهر قوله تعالى {
فإمّا منّاً بعد وإمّا فداءً
} ، و«بفعل
الرّسول
e
، فقد فادى أسارى بدرٍ بالمال وكانوا سبعين رجلاً ،
كلّ رجلٍ منهم بأربعمائة درهمٍ »،
وأدنى درجات فعله الجواز والإباحة .
24 - ويرى الحنفيّة ، في غير ما روي عن محمّدٍ ، وهو روايةٌ عن
أحمد وقول أبي عبيد القاسم بن سلاّمٍ عدم جواز الفداء بمالٍ .
ويدلّ على عدم الجواز أنّ قتل الأسارى مأمورٌ به ، لقوله تعالى {
فاضربوا فوق الأعناق
} وأنّه منصرفٌ إلى ما بعد الأخذ والاسترقاق ، وقوله تعالى {
فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم
} والأمر بالقتل للتّوسّل إلى الإسلام ، فلا يجوز تركه إلاّ لما
شرع له القتل ، وهو أن يكون وسيلةً إلى الإسلام ، ولا يحصل معنى
التّوسّل بالمفاداة بالمال ، كما أنّ في ذلك إعانةً لأهل الحرب ،
لأنّهم يرجعون إلى المنعة ، فيصيرون حرباً علينا ، وقتل المشرك عند
التّمكّن منه فرضٌ محكمٌ ، وفي المفاداة ترك إقامة هذا الفرض ، وقد
روي عن أبي بكرٍ أنّه قال في الأسير :" لا تفادوه وإن أعطيتم به
مدّين من ذهبٍ " ولأنّه صار بالأسر من أهل دارنا ، فلا يجوز إعادته
لدار الحرب ، ليكون حرباً علينا ، وفي هذا معصيةٌ ، وارتكاب
المعصية لمنفعة المال لا يجوز ، ولو أعطونا مالاً لترك الصّلاة لا
يجوز لنا أن نفعل ذلك مع الحاجة ، فكذا لا يجوز ترك قتل المشرك
بالمفاداة .
وعلى القول بأنّ للإمام حقّ المفاداة بالمال ،
فإنّ هذا المال يكون للغانمين ، وليس من حقّه أن يسقط شيئاً من
المال الّذي يفرضه عليهم مقابل الفداء إلاّ برضى الغانمين .
فداء أسرى المسلمين بأسرى الأعداء :
25 - ذهب الجمهور من المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة ، وصاحبا
أبي حنيفة ، وهو إحدى الرّوايتين عن أبي حنيفة إلى جواز تبادل
الأسرى ، مستدلّين بقول النّبيّ
« أطعموا الجائع وعودوا المريض وفكّوا العاني »
وقوله
« إنّ على المسلمين في فيئهم أن يفادوا أسيرهم ، ويؤدّوا عن غارمهم
»
و
« فادى النّبيّ
e
رجلين من المسلمين بالرّجل الّذي أخذه من بني عقيلٍ »
.
« وفادى بالمرأة الّتي استوهبها من سلمة بن الأكوع ناساً من
المسلمين كانوا قد أسروا بمكّة »
ولأنّ في المفاداة تخليص المسلم من عذاب الكفّار والفتنة في الدّين
، وإنقاذ المسلم أولى من إهلاك الكافر .
ولم يفرّقوا بين ما إذا كانت المفاداة قبل القسمة
أو بعدها . أمّا أبو يوسف فقد قصر جواز المفاداة على ما قبل القسمة
، لأنّه قبل القسمة لم يتقرّر كون أسيرهم من أهل دارنا حتّى جاز
للإمام أن يقتله ، وأمّا بعد القسمة فقد تقرّر كونه من أهل دارنا
حتّى ليس للإمام أن يقتله . أي فلا يعاد بالمفاداة إلى دار الكفر .
ولأنّ في المفاداة بعدها إبطال ملك المقسوم له من غير رضاه . ونصّ
المالكيّة على مثل قول أبي يوسف أيضاً ، ومحمّد بن الحسن أجازه في
الحالتين لأنّ المعنى الّذي لأجله جوّز ذلك قبل القسمة الحاجة إلى
تخليص المسلم من عذابهم ، وهذا موجودٌ بعد القسمة ، وحقّ الغانمين
في الاسترقاق ثابتٌ قبل القسمة ، وقد صار الأسير بذلك من أهل دارنا
، ثمّ تجوز المفاداة به لهذه الحاجة ، فكذلك بعد القسمة .
وقد نقل الحطّاب عن أبي عبيدٍ أنّ النّساء
والذّراريّ ليس فيهم إلاّ الاسترقاق ، أو المفاداة بالنّفوس دون
المال . وأمّا الرّواية الأخرى عن أبي حنيفة فهي منع مفاداة الأسير
بالأسير ، ووجهه : أنّ قتل المشركين فرضٌ محكمٌ ، فلا يجوز تركه
بالمفاداة .
26 - ولو أسلم الأسير لا يفادى به لعدم الفائدة ،
أي لأنّه فداء مسلمٍ بمسلمٍ ، إلاّ إذا طابت به نفسه وهو مأمونٌ
على إسلامه :
27 - ويجوز مفاداة الأكثر بالأقلّ والعكس كما قال
الشّافعيّة ، ولم يصرّح بذلك الحنابلة ، لكن في كتبهم ما يوافق ذلك
، لاستدلالهم بالأحاديث المتقدّمة . أمّا الحنفيّة فقد نصّوا على
أنّه لا يجوز أن يعطى لنا رجلٌ واحدٌ من أسرانا ، ويؤخذ بدله
أسيران من المشركين .
جعل الأسرى ذمّةً لنا وفرض الجزية عليهم :
28 - اتّفق الفقهاء على أنّه يجوز للإمام أن يضع
الجزية في رقاب الأسرى من أهل الكتاب والمجوس على أن يكونوا ذمّةً
لنا ، وفي وجهٍ عند الشّافعيّ أنّه يجب على الإمام إجابتهم إلى ذلك
إذا سألوه ، كما يجب إذا بذلوا الجزية في غير أسرٍ . واستدلّوا على
جواز ذلك بفعل عمر في أهل السّواد وقالوا : إنّه أمرٌ جوازيٌّ ،
لأنّهم صاروا في يد المسلمين بغير أمانٍ ، وكيلا يسقط بذلك ما ثبت
من اختيارٍ . وهذا إن كانوا ممّن تؤخذ منهم الجزية .
وهذا يتّفق مع ما حكاه ابن رشدٍ حيث قال : وقد
اتّفق الفقهاء على أنّ الجزية تؤخذ من أهل الكتاب والمجوس ،
واختلفوا فيما سواهم من المشركين ، فقال قومٌ : تؤخذ من كلّ مشركٍ
، وبه قال مالكٌ . وأجاز الحنفيّة ذلك للإمام بالنّسبة للأسارى من
غير مشركي العرب والمرتدّين ، ووضعوا قاعدةً عامّةً هي : كلّ من
يجوز استرقاقه من الرّجال ، يجوز أخذ الجزية منه بعقد الذّمّة ،
كأهل الكتاب وعبدة الأوثان من العجم ، ومن لا يجوز استرقاقه لا
يجوز أخذ الجزية منه ، كالمرتدّين وعبدة الأوثان من العرب .
رجوع الإمام في اختياره :
29 - لم نقف فيما رجعنا إليه من كتبٍ على من تعرّض
لهذا ، إلاّ ما قاله ابن حجرٍ الهيتميّ الشّافعيّ من قولة : لم
يتعرّضوا فيما علمت إلى أنّ الإمام لو اختار خصلةً له الرّجوع عنها
أوّلاً ، ولا إلى أنّ اختياره هل يتوقّف على لفظٍ أو لا . وقال :
والّذي يظهر لي في ذلك تفصيلٌ لا بدّ منه ، فلو اختار خصلةً وظهر
له بالاجتهاد أنّها الأحظّ ، ثمّ ظهر له أنّ الأحظّ غيرها ، فإن
كانت رقّاً لم يجز له الرّجوع عنها مطلقاً ، لأنّ الغانمين وأهل
الخمس ملكوا بمجرّد ضرب الرّقّ ، فلم يملك إبطاله عليهم ، وإن كان
قتلاً جاز له الرّجوع عنه ، تغليباً لحقن الدّماء ما أمكن ، وإن
كان فداءً أو منّاً لم يعمل بالثّاني ، لاستلزامه نقض الاجتهاد
بالاجتهاد من غير موجبٍ ، إلاّ إذا كان اختياره أحدهما لسببٍ ثمّ
زال السّبب ، وتعيّنت المصلحة في الثّاني عمل بقضيّته . وليس هذا
نقض اجتهادٍ باجتهادٍ ، بل بما يشبه النّصّ ، لزوال موجبه الأوّل
بالكلّيّة .
ما يكون به الاختيار :
30 - وأمّا توقّف الاختيار على لفظٍ ، فإنّ
الاسترقاق لا بدّ فيه من لفظٍ يدلّ عل