الله ، كيف ، متى ، أين ولماذا ؟
كراهية الله ، حصادٌ مر
ـ رسالة الى حكيم ـ
لست بصدد الحديث عن إعادة قراءة الدين ، للتخطيط
للمستقبل عبر فهم صحيح للإسلام الحقيقي ، و لست بصدد إعمال العقل و الفكر و
الجهد لاستخلاص المعاني العظيمة التي أتى بها الإسلام – الحقيقي - ، هذا
الذي هزمه الإسلام – التاريخي – فوصل ناحيتنا بفكر شعوبي قومي ، مشبع بزخم
– ذكوري - ، لا يمت بصلة لمبادئ الإسلام في الأساس .
و لست بصدد الحديث عن التفوق الثقافي الغربي المزعوم ، أو العلاقة الغير
مثمرة بين الشرق – نحن – ، و الغرب – هم - ، تلك التي كانت ثمارها استفحال
مرض – الخوف من الإسلام – Islam phobia - ، الذي نراه يتغلغل عبرنا بشكل لا
نجد له تفسيراً ، اللهم وجود كومة من الأخطاء المتراكمة في تقدير و فهم
الدين ، كنتيجة رئيسة على الجهل و عدم الإلمام الكافي و المقنع بالثقافة
الإسلامية – الحقيقية – و الحضارة الدينية في عمومها ، بتبعية فكرية تنساق
خلف أفكار كون كل الأديان في مطلقها ليست سوى – مورفين للشعوب – .
أيضاً لست بصدد الحديث عن إشكالية الثقافة و الهوية الوطنية ، تلك التي
اختزلها الجميع في كل أشكالها ، كل هذه البنود تراود قاموسي ، و تنتابني –
الرغبة – و – المقدرة – في الحديث عنها ، لكني أحاول أن ألخص في رسالتي
المفتوحة هذه حواراً لم ينل نصيبه من – الحوار - ، مع من يكرهون الله ،
فيلغونه ، و يتبنى آرائهم كثيرون ، نتيجة إعجاب ، انبهار ، أو خسارتهم أمام
قوة لفظ - هؤلاء - في إقناع - ؤلائك - .
يقول حكيم – أنه لا يؤمن – بالله ، و لا يؤمن أيضاً بكل الأديان ، لن أجيب
على كم – اللغط – المقصود الذي تملأ مقالاته و يكتظ به موقعه الشخصي ، و لن
أنسخ من كتاباته ما لا يستحق النسخ في الأساس لغرض نقد أو دحض أطروحاته –
اللا دينية - ، بل أجره جراً نحو حوار يتمركز حول فكرته الرئيسة ، كراهيته
لله ، و لن يمتد حواري معه عن كراهيته لكل الأديان ، لأنه - و ببساطة - لا
يؤمن بوجود – الله - ، مرسل هذه الأديان .
فلنأت - عزيزي حكيم - أولاً للإجابة عن سؤال مركزي ، عن الدلالة اللغوية
للفظ – الله - ، ماذا يعني اللفظ ؟ ، فيقول البعض أنه " الكائن المجاوز
للطبيعة ، الذي يتحكم في العالم " ، و يقول الرومان المؤلهون في مذهب
الأباطرة " انه الكائن الخارق للطبيعة " ، و يقول الأبيقوريون أن الآلهة هي
من " تؤثر في حياة البشر " ..
لفظ الله ليس لفظاً مشتقاً ، فهو اسم مرتجل يوصف ولا يوصف به ، فكان تفسير
اللفظ أنه يعني المعبود ، الحق ، المحير للعقول في معرفته ، المحجوب عن
البصر ، فيظهر اللفظ غموضاً يحيط بالمسمى لأن قدرة إدراك المخلوق للخالق لا
تستوعب تفسير لفظ وصف الخالق .
لكن كيف نشأت فكرة الله في الأساس ؟ ، نجد أن البحث في هذا الموضوع يقول أن
التفكير المتعلق بالله على وجه الإجمال كان على ثلاث محاور أساسية، و هي:
• المحور الديني :
تصور الله هنا تصور رأسي ، فهو واجب الوجود ، و أشرف الموجودات ، و قمة
العالم ، و الغاية التي يرجو البشر الوصول إليها تحقيقاً للكمال الذي يقل
كلما ابتعدنا عنه ، و يزداد كلما اقتربنا منه .
• المحور التاريخي الاجتماعي :
تتبناه الاتجاهات الوضعية و التي تعطي تطوراً تصاعدياً لفكرة الله .
• المحور الفلسفي :
يعطي تصورات عديدة منه التصور الأفقي الذي يجعل الله و الطبيعة جوهراً
واحداً أزلياً أبدياً ، ممتداً يضم مجموع الكون ، و يجعل من الله الطبيعة
الخالقة ، و من العالم الطبيعة المخلوقة، و التصور الدائري المقدس الذي
يجعل من الله الأول و الآخر ، الظاهر و الباطن السرمدي ، الذي لا بداية له
و لا نهاية .
فكان تفسير تاريخ الإنسانية في عمومها يبدأ بالفكر اللاهوتي – كما قدم
أوغست كونت - ، في تطورات ثلاث ، الفتشية ، التعددية ثم التوحيد ، أو كما
قسم الفيلسوف الألماني لودفغ فيورباخ هذه المراحل – التفكير البشري
بالإلوهية الى ، اللاهوتية ، الفلسفية ، الأنثروبولوجية .
رغم أهمية الفكرة القائلة بحدوث تصورات متعاقبة لفكرة – الله - ، إلا أن
هذه التصورات لا تعنينا في المطلق – الآن - ، لأن فكرة وجود الله أضحت
تتمحور في إثبات وجوده ، لا على فكرة وجوده في الأساس .
فهذه التصورات كانت إما دينية تعتبر الله أما متعالياً ، كما ورد في
اليهودية في تعاليم أشعا ( 40 : 12 – 26 ) ، ، فيرد في العهد الجديد أن
أحداً لم يرى الله ( يوحنا : 1 – 18 ) ، فكل معرفتنا عنه ليست سوى انعكاسات
مضطربة في مرآة ، أو متجسماً كما أوجد اليهود أيضاً حيث صوروا الإله – يهوا
– في أسفار الثوراة الخمسة في صورة بشرية – محضة – و سار المسيحيون أيضاً
نفس الإتجاه حيث تعد المسيحية ديانة الحلول بحق الآب في المسيح و لكن – كما
يقول القديس أوغستين في التيار المسيحي الرئيسي - ، يقول في نظريته
الإشراقية :
" الله موجود في القلب الإنساني ، ، فالله موجود في كل الأشياء ليس على أنه
جزء من جوهرها ، و ليس على أنه أحد حقائقها ، لكن بطريقة تجعل السبب الفعال
موجوداً " .
و أنتقل هذا التصور الى الإسلام في تيار – شديد الضعف - ، و هو السبأية –
أتباع عبد الله بن سبأ - ، من غالى في تقديس علي بن أبي طلب ، فجعله نبياً
، ثم إلاهاً .
يتصور أنكساغوراس الله على باعتباره مبدأ منظما للأشياء جميعها ، و العقل
الكلي المتحكم في الطبيعة ، و ذات المعنى لدى هراقطليس و أفلاطون و صولا
الى ديكارت الذي يقول أن الله يقوم بتنظيم العالم .
بينما يرى آخرون أن العالم ليس سوى فيض من الله ، أو صدور من الله أو تعبير
ذاتي عنه – باختلاف اللفظ - ، فبالنسبة لأفلوطن فالله فوق كل شيء و كل وجود
، فلا يمكن أن يوجد العالم منه مباشرة ، ففي هذا انتهاك لقداسته ، و ق أخذ
هذه النظرية – الفارابي – ليبين العلاقة بين الله و خلق العالم ، في فكرة
توفيقية بين اله الأديان الذي يخلق من العدم ، و إله الفلاسفة الذي يجد
المادة القديمة ..
أما بالنسبة لسبينوزا فالعالم هو الله – الجوهر الوحيد - ، أو الإلوهية
الشاملة ، و ذات التصور نجده لدى الصوفي الإسلامي ابن عربي في - الفتوحات
المكية - و - فصوص الحكم - ، فيقول في الفتوحات المكية :
" ثبت عند المحققين أنه ما في الوجود إلا الله ، الذي هو الوجود الحق
المطلق ، و نحن إن كنا موجودين ، فإنما إن وجودنا به " .
و يقول في جملته الشهيرة : " سبحان من أظهر الأشياء و هو عينها " .
أما عند هيغل فإنه نظر الى الله في المطلق ، فقال أن تعبير الله ذاته هو
عملية ديناميكية ، يمكن اكتشافها في الأحداث التاريخية ، بينما يقول آخرون
أن العالم هو مادة مسبقة لها نظامها ، و الله – مقيد – بهذا العالم ، و هذا
الرأي غير واضح لأن علاقة الله بالمادة السابقة يوجب البحث عن حدوث المادة
قبل وجودها ، فعدم وجود الله يعني عدمها تباعاً .
و على النقيض من كل الآراء السابقة نجد أن فكرة – الخلق من عدم- يتبناها
أصحاب الأديان ، حيث أتى الله بالعالم من العدم و عن طريق اختيار غير محدود
، فهو ليس في حاجة لكي يقوم العالم لإكمال – طبيعته – لأنه يتمتع بالاكتفاء
الذاتي ، فهو السبب الفعال لكل ما هو كائن .
فقدم الفلاسفة على مر العصور الكثير من الأدلة على وجود الله ، و تتفاوت
هذه الأدلة و البراهين من فيلسوف الى آخر ، و أهم هذه الحجج هي :
• الدليل القطعي اللاهوتي ، بالاستدلال من المخلوقات على الخالق ،
فالمخلوقات تدل على قصد في تكوينها و حكمة في تسييرها و تدبيرها ، و قدم
أفلاطون صيغة هذا البرهان في - محاورة القوانين - حيث يقول على لسان
كلينياس :
" هل توجد أي صعوبة في البرهنة على وجود الآلهة ؟ " ، و يرد " إن الأرض و
الشمس و النجوم و العالم و النظام الملائم للفصول ، و تقسيمها لشهور و سنين
كل هذه البراهين هي دليل على وجود الآلهة ، فنظام العالم على هذا النحو
الهندسي لا يمكن إلا أن يكون من قبل مهندس أعظم هو – الله – " .
و نجد لدى متكلمي الإسلام كثيراً من الأدلة على وجود الله تقوم في الأساس
على الاستدلال بمخلوقاته فبقول الأشعري :
" عن تحول الإنسان من حال الى حال ، يحتاج من ينقله من الحالة الأولى الى
الحالة الثانية ، فمن غير المعقول وجود المخلوق بدون خالق ، من قصد الى
برية و لم يجد فيها قصراً مبنياً ، فانتظر أن يتحول الطين الى حالة الآجر و
يتنضد بعضه على بعض ، بغير صانع ، و لا بان ، كان جاهلاً " .
و تعتمد هذه النوعية من الأدلة على نظرية نقلت الى المسلمين من الفلاسفة
اليونانيين ، و هي نظرية الجواهر الفردة و التي تكون ما يسمى بدليل الحدوث
، الذي يقوم على القول بتركيب الأجسام من أجزاء لا تتجزأ ، و الجزء الذي لا
يتجزأ يعتبر محدثا و الأجسام محدثة بحدوثه ، إذ أنها تتركب من أجزاء لا
تتجزأ لذا ، فهي تفتقر الى محدث ، و على ذلك فالخالق لا بد من أن يكون
قديماً و الدليل على ذلك أنه لو كان محدثا لأفتقر الى محدثه .
فربط – الكندي – بين القول بحدوث العالم و إثبات وجود الله في كثير من
رسائله ، كما قال في رسالته – حدود الأشياء – و – الإبانة في العلة الفاعلة
القريبة للكون و الفساد - ، فالعالم إذا كان حادثاً فلا بد له من علة
أحدثته و خلقته و أظهرته الى الوجود ، و هذه العلة هي الله .
كما يقول الغزالي في – تهافت الفلاسفة – و – ابن رشد – الذي يقول "
الموجودات كلها مخترعة ، و كل مخترَع له مخترِع - .
• الدليل الغائي ، يقوم على أساس وجود غاية من الكون ، فالعالم كله مركب
على نحو يحقق غاية ، و قد قدم هذا الفكر كل من أفلاطون و سقراط ، و طور بعد
ذلك على يد الرواقيين ، فلكل شيء في الطبيعة غرض لا يمكن تفسيره إلا
بافتراض وجود موجد يتجاوز الطبيعة و ينظم كل الظواهر على نحو مجسم .
و اتخذ هذا الدليل صبغة دينية و ارتبط بالعناية الإلاهية في العصور الوسطى
، كما تبين لدى الفلاسفة المسلمين لاحقاً ، فالكندي يستدل على وجود الله
بالاستناد الى الغائية ، مستبعداً فكرة المصادفة ، " و تبارك الذي جعل
السماء بروجاً ، و جعل فيها سراجا و قمراً منيراً " ، فيهدف الدليل القرآني
هذا عند ابن رشد الى الوقوف على العناية بالإنسان ، و خلق جميع المخلوقات
من أجله .
• الدليل الكوني ، و هو دليل بسيط يعتمد على المنطق و هو يرتبط بالدليل
السابق الى حد ما ، فالموجودات لا بد لها من موجد ، فكل موجود يتوقف على
غيره، و لا يمكن أن يستمر ذلك الى ما لا نهاية ، فلا بد من وجود علة نهائية
، فإذا كانت الموجودات غير واجبة لذاتها ، فلا بد لها من سبب يوجبها ، و لا
يتوقف وجودها على وجود سبب سواه – حتى عند الحديث عن نظرية التطور
الداروينية نجد أن الموجود مسبقاً يوجب وجود موجد له - .
فالله موجود باعتباره العلة الأولى لكل الموجودات و الظواهر ، و يقوم هذا
الدليل على افتراض أن العالم لا بد أن يكون محدوداً في الزمان ، و أن علته
غير مادية ، و قد أشار كل من أفلاطون و أرسطو الى ذلك ، كما أن الفارابي
يستدل على وجود الله بالتفرقة ما بين طبيعة الممكن و طبيعة الواجب ، فيقول
في – عيون المسائل - :
" إن الموجودات على ضربين ، أحدها إذا اعتبر ذاته لم يجب وجوده و يسمى ممكن
الوجود ، و الثاني إذا اعتبر ذاته وجب وجوده و يسمى واجب الوجود و إذا كان
ممكن الوجود إذا فرضناه غير موجود ، لم يلزم عنه محال فلا غنى لوجوده من
علة ، و إذا وجب صار واجب الوجوب بغيره فيلزم من هذا أنه كان مما لم يزل
ممكن الوجود بذاته واجب الوجوب بغيره ، و هذا الإمكان إما أن يكون شيئا لم
يزل ، و إما أن يكون في وقت دون وقت و الأشياء الممكنة لا يجوز أن تمر بلا
نهاية في كونها علة و معلولاً ، ولا يجوز كونها على سبيل الدول ، بل لا بد
من انتهائها الى شيء واجب هذا الوجود الأول " .
• الدليل الأنطولوجي ، و يقوم هذا الدليل على أساس فكرتنا عن الله بأن من
صفاته أنه الكامل المطلق و يتحتم على من يحوز الكمال أن يكون موجوداً لأن
الكمال المطلق يتنافي مع العدم ، إذن الكامل موجود .
و يعد هذا الدليل الأهم و الأشهر على وجود الله ، و قد قال به كل من القديس
أنسلم و ابن سيناء و ديكارت الذي قال كتابه التأملات : " و إذا عاد الفكر
بعد ذلك و أستعرض الأفكار المختلفة القائمة فيه ، فاكتشف منها فكرة وجود
محيط العلم و القدرة كامل غاية الكمال ، تيسر له أن يحكم بما يراه في هذه
الفكرة من أن الله هو ذلك الموجود الكامل على الإطلاق كائن و موجود " .
رغم كون جونبلون يقول في – الدفاع عن الأحمق - ، " إن هذا الدليل لا يقنع
من ينكر وجود الله " ، فالله عند جونبلون أسمى من أن نحوطه بتصوراتنا
المحدودة ، حيث هنالك استحالة في استنباط الوجود من الفكر .
• دليل برهان الجماعة ، و هو مأخوذ من فطرة الناس و أيمانهم- العام - بوجود
قوة عظمى سيطر على الكون و تسيره طبقا لما تريد ، و قد اتخذ من إجماع الناس
برهاناً يؤكد الوجود الفعلي لله ، و قد قال بهذا أفلاطون في الكتاب العاشر
من القوانين ، حيث من واقعة اعتقاد أن الهيلينيين و البرابرة بوجود الآلهة
من البراهين المؤكدة على وجودهم بالفعل .
و يقدم ابن الكندي براهين مماثلة بين وجود النفس في البدن و وجود الله في
العالم ، فالجسم الإنساني إذا كان يدل على وجود قوة خفية غير مرئية و هي
النفس تسير الجسم ، فإن التدبير في الكون يدل على وجود مدبر له ، و هو الله
.
إن تلخيص الكندي لفكرة وجود الله تكاد تكون الأكثر وضوحاً و جلاءً و عمقاً
، لكني أسأل حكيم ، هلا قدمت دليل نقدك و حجة إنكارك لكل هذه الأدلة و
البراهين على اختلاف توجهاتها و نمط تفسيرها ، و على تخالف التصورات التي
جسدت فكرة وجود الله ، لكل هؤلاء الفلاسفة و المفكرين و أتباع كل الأديان ؟
.
Ar Tufat
Usigh s ghades d ughigh yaytv
Amarir
________________________________________________
مراجع :
(1) ابن سيناء ، الشفاء ، الإلهيات ، تحقيق الأب قنواني و سعيد زايد ،
الهيئة العامة للكتاب ، القاهرة ، 1960 .
(2) أفلاطون ، طيماوس ، ترجمة فؤاد برابرة ، دمشق ، منشورا وزارة الثقافة
1986 .
(3) الخطيب ، عبد الكريم ، - 1 - الله و الإنسان ، - 2- الله ذاتاً و
موضوعاً ، دار الفكر العربي .
(4) كوليينز ، جيمس ، الله في الفلسفة الحديثة ، ترجمة فؤاد كامل ، مكتبة
مصر ، القاهرة .
عن ليبيل وطننا |