 |
|
صورة-الغلاف |
"من ليس معنا فهو مع الإرهاب" كلمة أطلقها بوش عشية 11
سبتمبر، وبها أيضا بدأ الباحث المصري "إميل أمين" رحلته مع الفكر الأصولي
الأمريكي في كتابه "ذئاب في ثياب حملان.. مختصر قصة الأصولية الأمريكية".
وخلال تلك الرحلة حاول الكاتب إثبات صحة الفكرة التي
ينطلق منها، وهي أن هناك منظومة فكرية خاصة تربط بين القرارات السياسية
الأمريكية الآن وممارستها الداخلية والخارجية، وهي منظومة أصولية متطرفة
قديمة جاءت إثر الاختراق اليهودي لأحد أوجه الفكر المسيحي الأوربي قبل
قرنين على يد الإصلاحي الديني مارتن لوثر.
مارتن لوثر.. واليهود
بدأ الكاتب عرضه الأقرب إلى الروائي مع عصر الإصلاح
الديني في أوربا وأفكار لوثر التي أوجدت البيئة المناسبة لتحقق هذا
الاختراق اليهودي المقصود وميلاد هذا الفكر اليميني المتطرف، فمن ألمانيا
في أواسط القرن الـ 16م أطلق لوثر صيحته ضد سيطرة الكنيسة البابوية وطالب
بالإصلاحات الدينية، وتفعيل دور الكنائس الوطنية، وعدم اقتصار تفسير
اللاهوت على الرهبان البابويين، وبرغم ما اشتهرت به تلك الحركة وأهدافها من
ثورة صحيحة وبداية للنهضة الأوربية فإنها لم تسلم ككل التاريخ البشري من
المآرب الأخرى وأخطر تلك المآرب جاء بفتح ملف اليهود وهو ما كان أشبه بفتح
القمقم وخروج المارد منه.
وقبل التعرف على ما نادى به "لوثر" تناول "أمين" وضع
اليهود في أوربا في تلك الفترة، واحتفالات المسيحيين بذكرى (صلب المسيح)
والتي اعتادوا خلالها إحضار يهودي أثناء الصلاة وقيام أحد النبلاء بصفعه
على وجهه أمام الجميع إحياء لذكرى الضرب والإهانات التي تعرض لها المسيح
كما تقول العقيدة الكاثوليكية.
وقد كثرت في تلك الفترة أشكال الاضطهاد ضد اليهود
وانتشرت إدعاءات تقول: إنهم يخطفون أبناء المسيحيين لعمل تعويذات شريرة من
قلوبهم، وقد مهدت تلك الاتهامات وغيرها لتكون رأيا عاما ضد اليهود، ووصل
الأمر لمطالبة أهالي أسبانيا بقيادة الملك "فرديناد" بإجلاء اليهود غير
المعمدين عن أوربا، وهو ما اضطر بعضهم للهرب أو التعميد قسرا.
ومن داخل تلك النظرة المجتمعية الدونية لليهود جاءت
دعوة لوثر الجديدة في كتابه "المسيح ولد يهوديا" (وهو السند الأول الذي
يعتمد عليه المحافظون الجدد الآن)، وأدان في كتابه ذلك المعاملة التي
يتلقاها اليهود، ووصفها بأنها "معاملة كلاب لا بشر". وكتب: "قبل أن نتفاخر
بموقفنا يجب أن نتذكر أننا مجرد أمميين أما هم فإخوة للرب وأقاربه"، وقال
أيضا "إننا كالكلاب -أي المسيحيين- الذين ليس لهم مكان إلا تحت المائدة
لالتقاط الفتات الذي يتساقط من على موائد أربابنا اليهود وهو أمر طبيعي
قدرته المشيئة الإلهية منذ القدم فهم السادة ونحن العبيد".
هكذا ساهم لوثر في خلق صورة مغايرة تبناها العديدون
كإحدى أفكار لوثر التي كانت بمثابة طوق النجاة لهؤلاء ممن يعانون حالة
اقتصادية واجتماعية متردية داخل أوربا، إلا أن التأثير الأكبر والأخطر
لأفكار لوثر تمثل في خلق موقف كنسي من اليهود واليهودية ينافي العقيدة
الكنسية الكاثوليكية القديمة، والتي أنكرت على اليهود حقهم المزمع في
العودة إلى أورشليم القدس؛ وذلك لأنهم طردوا منها وشتتوا في العالم بسبب
رفضهم للمسيح، وكان المبدأ الكاثوليكي ينكر على اليهود أي مستقبل جماعي في
أرض فلسطين، ويرى أن خلاصهم الروحي الوحيد ليس بالعودة إلى أي مكان، ولكن
بالارتداد إلى المسيحية ليكونوا قادرين على مقابلة المسيح مرة ثانية.
أما مقولة شعب الله المختار فقد كانت الكنيسة البابوية
القديمة تنظر إليها نظرة روحية وترى أن الكنيسة المقدسة هي شعب الله
المختار الذي حل محل الشعب العبراني الذي حلت عليه اللعنة.
لكن لوثر انقلب على اليهود، ووضع كتابا آخر هو "اليهود
وأكاذيبهم" دعا فيه إلى نبذ اليهود وطردهم؛ لأنهم كذابون ولا يستطيعون إلا
الكذب، إلا أن تلك الكلمات وبالرغم من مجيئها في سياق الذم عادت عليهم
بالنفع حيث قال: "ما الذي يحول بين هؤلاء اليهود والعودة إلى أرضهم.. لا
أحد.. إننا سنزودهم بكل ما يحتاجون إليه في رحلتهم لا لشيء إلا لنتخلص منهم
إنهم عبء ثقيل علينا وبلاء وجودنا".
أوربا في ثوب جديد
 |
|
مارتن لوثر |
هناك قاعدة عامة تقول: "الدعوة -وخاصة الدينية منها-
وفي الظروف المجتمعية الصعبة تسري سريان النار في الهشيم"، وقد نجحت كلمات
لوثر في خلق صورة ذهنية جديدة تصور اليهود على أنهم جماعة مقدسة، وأن عودة
المسيح لن تأتي إلا بعمل المسيحيين على عودة أقارب الرب وهم اليهود إلى أرض
الميعاد وهي فلسطين، وبهذا، كما يقول الكاتب، يتحمل لوثر المسئولية
التاريخية والدينية لنشأة هذا "الفكر اليهومسيحي".
وقد أدرك اليهود خطورة تلك الفكرة جيدا وبدءوا في
الإعداد لإحياء حلمهم القديم، فعملوا هم وأتباع لوثر على نشر هذا الفكر حتى
انخرط مع قائمة الأفكار المتصارعة داخل أوربا عصر النهضة، فشهدت على مدار
قرنين اقتتالا حادا بين رجال المذهب الكاثوليكي وأنصار المذهب اليهومسيحي
الجديد، وبالرغم من قوة مقاومة الكنيسة البابوية والنظام القديم استطاع
المذهب الجديد الانتشار لسبب أساسي هو ارتداؤه لثوب الثورة والإصلاح.
وجاء الانتصار الأكبر بنشأة جماعة "البيورتاريين" أو
المتطهرين في الجزر البريطانية وهم من واجهوا النظام الملكي وهاجموا المذهب
الكاثوليكي، وعملوا على إحياء اللغة العبرية واستدعاء الشخصيات التوراتية،
والأهم من ذلك نجح هؤلاء في جعل مقولات العهد القديم هي المصدر الأول
للمعلومات التاريخية لعامة أوربا، وساعد اختراع المطبعة على انتشار ذلك
الفكر في كافة أرجاء أوربا.
نبوءات.. قاتلة
نجح ذلك الفكر في غرس فكرتين وصفهما بأنهما نبوءات
قديمة هامة جاءت بالعهد القديم، وقد استطاعت تلك النبوءات استنشاق الحياة
مرة ثانية والنمو لتصبح الآن الأساس الفكري لإدارة الرئيس جورج بوش الابن.
الأولى: كانت "معركة هرمجدون" وهي مصطلح عبري يتكون من
كلمتين الأولى تعني جبال، والثانية تعني فلسطين، وتتحدث تلك النبوءة عن
معركة كبرى تنشأ بين قوى الخير والشر في العالم وعلى المسيحيين المؤمنين
الإعداد لتلك المعركة وحشد قواهم لدعم إخوة الرب في أرض الميعاد.
الثانية: أو المكافأة هي نبوءة "الملك الألفي السعيد"،
فقد جاء في إحدى نصوص العهد القديم وبالأخص في سفر الرؤيا ليوحنا اللاهوتي
ما يلي: "رأيت عروشا منح الجالسون عليها حق القضاء، ورأيت نفوس الذين قتلوا
في سبيل يسوع قد عادوا إلى الحياة وملكوا مع المسيح ألف سنة تلك هي القيامة
الأولى".
يقول الكاتب: إن تلك الأفكار والنبوءات أخذت تختمر في
رءوس أصحابها إلى أن جاءت الفرصة الحقيقية واكتشفت الأراضي الأمريكية فوجد
بها الأصوليون ضالتهم وانطلقوا إليها معتقدين أنها أرض الميلاد الجديد وهم
الورثة الشرعيون.
وسارعت الجماعات اليهودية والمتطهرون البريطانيون
بالهجرة إلى الأرض الجديدة، وسريعا ظهرت نتائج ما نشروه من أفكار، فمع
بداية نشأة الدولة تم تشكيل خاتم الاتحاد وقد احتوى على النجمة السداسية
اليهودية مكونة من ثلاث عشرة نجمة الممثلة لـ 13 ولاية أمريكية آنذاك.
وبرغم تلك البداية القوية وقع الأمريكيون الأوائل بنفس
مأزق أبيهم لوثر، فحين بحثوا عن مثال اليهودي العبراني لم يجدوه إلا في
أدمغتهم ووجدوا بدلا منه صورة التاجر اليهودي شيلوك المرابي مما زج بهم إلى
نفس موقف لوثر.
ولقد تطور الأمر ليجتمع رجال الأعمال الأمريكيون حول
رأي واحد هو أن اليهود بلا أخلاق، وقال رجل الصناعة الأول آنذاك بلاكستون:
"ما الذي سنفعله حيال اليهود ولم لا يعطون فلسطين فطبقا لتوزيع الرب للأرض
على الأمم تبقى فلسطين خالصة لهم"، وبهذا تكونت طبقة يصفهم الكاتب
بالملكيين أكثر من الملك أو الصهيونيين أكثر من الصهاينة.
البيت الأبيض.. اليميني
رأى رجال الفكر اليميني الجديد في البيت الأبيض الوجهة
النهائية لمقاليد الأمور، ومن ثم رأوا ضرورة السيطرة الأيدلوجية عليه، وقد
بدأ العمل بالفعل فوق المائدة المستديرة، ويرصد لنا الكاتب بعضا من مظاهر
هذا التأثير، ومنه كانت اتجاهات الرئيس الأمريكي، والبداية مع جورج واشنطن
الذي وصف بالمتدين إلى حد الهوس.
وقد تجلت آمال جورج واشنطن في رسالة وجهها ليهود أمريكا
قال فيها: "آمل أن يظل الرب صانع المعجزات الذي خلص العبرانيين في الأزمنة
القديمة من غي المضطهدين المصريين وزرعهم في أرض الميعاد أن يحميهم في ظل
السماء، وأن ينعم يهوه على كل الولايات بالبركات".
أما الرئيس "جيمس إبرم" فقد عين في عام 1881 مستر سيمون
اليهودي قنصلا عاما للولايات المتحدة في مصر، وقال في حفل تعيينه: "إنه
سعيد لكونه عين سليل الشعب الجليل الذي استبعد من مصر قديما مبعوثا
دبلوماسيا؛ لذلك البلد من الأمة الحرة العظيمة أمريكا".
وفي عام 1918 أرسل الرئيس ولسون برقية رسمية إلى زعيم
الصهيونية الأمريكية الحاخام "ستيفن دانير" تضمنت أول تصديق على وعد بلفور،
ومع نشوب الحرب العالمية الأولى بدأ هذا الفكر في جني المزيد؛ فقد جاء في
بيان صادر عن الكونجرس تعليقا على توقيع بلفور: "كما خلص موسى الإسرائيليين
من العبودية فإن الحلفاء الآن يخلصون اليهود من أيدي الأتراك القبيحة وهي
الخاتمة الملائمة للحرب".
ومن الحرب الأولى للثانية، حيث تعتبر الفترة من حكم
أيزنهاور وحتى ريجان هي المفصل الرئيسي بجسد الأصولية الأمريكية، فقد وجد
هذا الفكر في رجال الحزب الجمهوري خير حليف، فالجمهوريون وإن اتفقوا مع
الديمقراطيين في الهوس بما يسمى بالإمبراطورية الأمريكية فإن هؤلاء وعلى
مدار فترات حكمهم وجدوا أن الطريق الأسرع لتحقيق أهدافهم يبدأ من جدران
البنتاجون ومع طلقات مدافعه.
وفي تلك الفترة الممتدة حتى أوائل التسعينيات شهدت
أمريكا نشأة العديد من المؤسسات اليمينية التي أخذت تتوغل داخل المجتمع
معتمدة على تفسير الأحداث تفسيرا حرفيا وفقا لما جاء فيما يسمى بنبوءات
العهد القديم، ويشير الكاتب إلى أن تأثير تلك المؤسسات وقد كانت أغلبها ذات
نشاط اجتماعي ظهر جليا في حدثين مهمين:
الأول: الهزيمة العربية عام 1967م، حيث انتشرت رؤية
فحواها أن انتصار اليهود على جاراتها العرب في ستة أيام هو عمل من أعمال
القوة الممنوحة لهم من الرب، وأن على المسيحيين المؤمنين الاستمرار في دعم
اليهود انتظارا للميلاد الثاني للمسيح.
الثاني: هزيمة الأمريكيين في فيتنام، حيث أشاع ذلك
اللوبي أن تلك هي رسالة للشعب الأمريكي الذي ابتعد عن الرب ليراجع حساباته
الدينية، وأن عليه العودة للالتصاق باليهود ليستمد منهم الدفء الإلهي.
اقتراب.. الحلم
 |
|
الرئيس جورج بوش |
بسقوط الاتحاد السوفيتي بدأ الحلم الأمريكي يفرض نفسه
بقوة على عقول أصحابه، وكأن الفرصة قد حانت لإرساء الإمبراطورية الكبرى
العالمية، ففي 1991 قام "ديكي تشيني" وكان يشغل آنذاك منصب وزير الدفاع في
إدارة بوش بتشكيل لجنة أفكار تألفت من فريقين:
الأول: يتكون من بعض رجال وزارة الدفاع ممن يطلق عليهم
صقور البنتاجون.
والثاني: يتكون من الدبلوماسي الجنرال كولين باول وبعض
مساعديه.
والهدف هو رسم الخطوط الجديدة للسياسة الخارجية
الأمريكية بعد انتهاء الحرب الباردة، وقدم الصقور خطة تقول بأهمية تشكيل
وضع دولي تتكفل أمريكا خلاله بدور تشكيل العالم ولا تكتفي برد فعل عادي على
الأحداث حتى تتدارك نشوء قوات منافسة تفرض هيمنتها؛ وأخذ تشيني برؤية
الصقور التي تبعتها تصورات إمبراطورية أخرى.
يتوقف الكاتب عند نقطة هامة وهي: كيف نجح الصهاينة في
استثمار المناخ الجديد بصورة جيدة؟.
أشار "أمين" إلى اطلاع نتنياهو على تلك الخطة واستلامه
نسخة منها في 1996، ولكن ظلت هناك إشكالية ما بين الفكر الأصولي المسيحي في
أمريكا والمخطط الصهيوني برغم اتفاق الجميع على أنهم أمام اللحظة
التاريخية.
تمثلت تلك الإشكالية في أن الائتلاف المسيحي يدعم
اليهود في حدود العودة لفلسطين لاستقبال المسيح والارتداد للمسيحية، وهو ما
يحصر المشروع الصهيوني الذي يحلم بدولة النيل للفرات.
ولم يجد هؤلاء حلا أو تحايلا إلا بتفعيل التعاون
العسكري مع أمريكا على الوجه العلماني اللاإيماني، حيث تظهر بوضوح الرغبات
الشرسة لصقور البنتاجون في السيطرة العسكرية على مناطق الارتكاز بالعالم،
وبهذا تحالفت الأجنحة الثلاث الائتلاف اليميني وصقور البنتاجون واللوبي
الصهيوني مدركة أنها جميعا أمام اللحظة التاريخية وانطلقت الجماعات الثلاث
وغيرها تبحث عن الرجل المناسب، حتى جاء جورج بوش الابن.
عرض "أمين" الأسباب التي صنعت من بوش رجل اللحظة،
وتناول بداية العلاقة بين بوش وجماعة "المحافظين الجدد" بعد انضمامه لجماعة
تدرس العهد القديم، وكان من أبرز رجال هذا التيار الأب "روبرت سون" مؤسس
جماعة الائتلاف المسيحي، الذي تأثر به بوش الابن كثيرا، وتناول الكتاب رحلة
الائتلاف اليميني لتوصيل بوش للحكم في واشنطن، ولذا حفل تنصيب بوش بكلمات
يمينية دينية فقال بوش: "إن ملاك الرب حاضر في هذه العاصمة".
ومن يطالع خريطة المناصب في إدارة بوش الأولى والثانية
يكتشف بسهولة توغل وتغلغل ذلك الفكر في تلك الإدارة والتي سعت لتطبيق
أجندتها بعد 11 سبتمبر 2001م.
|