الصفحة الرئيسية

   

الصفحة الرئيسية

      

لـيـــبــيا الجــــديـــد ة

 

 

 


لنكسر حاجز الخوف

                                                       بقلم : د. محمد نصر

الخوف أمر طبيعي بل وفطري في الإنسان وليس مستثنى منه أحد حتى الأنبياء , فهذا موسى عليه السلام يبدي خوفه من فرعون فخاف على نفسه عندما كلفه ربه بمواجهته  "قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون" القصص 33 .  وخاف من فشل مهمته بالتكذيب والعناد :"قال رب أني أخاف أن يكذبون" الشعراء 12 .  ولأن الخوف أمر جعله الله فطري في الإنسان لهذا شرعت صلاة الخوف. عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : "فرض الله الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة " رواه مسلم .

والخوف منه ما هو محمود ومنه ما هو مذموم , فالخوف من الله وعقابه , والخوف من الوقوع في المعاصي والمحرمات والخوف من ظلم العباد والتعدي على حقوقهم هو من الخوف المحمود , بل والمطلوب من كل مسلم ومسلمة , ولقد امتدح الله نبيه زكريا وأهله حيث قال : "... ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين " الأنبياء 90 .

والخوف المذموم هو الذي يوقع الإنسان في مخافة الناس على حساب مرضاة الله وهو الذي يدفع بالإنسان إلى الانهزام والتخلي عن المعتقد أو الأرض أو العرض ويفسح المجال أمام العدو ليعيث في الأرض الفساد . "يا أيها الذين امنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الإدبار  , ومن يتولهم يومئذ دبره إلا منحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم ويئس المصير" الأنفال 15,16 .

والخوف درجته تقل أو تزيد من شخص إلى شخص ومن قوم إلى قوم . فالخوف يزداد كلما اعتقد أو أيقن الخائف أن المخاوف منه يمتلك القدرة على إلحاق الضرر المادي أو المعنوي به بسبب ما يمتلكه من قوة بدنية أو مالية أو سلطوية .

وتقل درجة الخوف إلى أن تنعدم إذا اعتقد أو أيقن الإنسان أنه يمتلك قوة موازية أو تزيد عن قوة خصمه , أو أنه يركن ويعتمد على قوة خارجية تسند ظهره أو تدعمه في حالة الاعتداء عليه .

 

والخوف قد يكون ابتلاء وامتحان من الله كما ذكر في كتابه الكريم : "ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين "  البقرة 155 .

وقد يكون عقوبة من الله على الكفر أو على معاصي ارتكبت : "وضرب الله مثلا قرية كانت أمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون" النحل 112 .

وقد يكون الخوف من البشر حقيقي وقد يكون وهمي ... فالخوف الحقيقي يكون عن دراية وحسابات دقيقة لقوة الخصم وما يمتلكه من قدرات , وهذا يدفع بالإنسان إلى أخذ الحيطة والاستعداد وعدم التهور في مقابلة الخصم .  أما الخطر الوهمي  فهو من اخطر أنواع الخوف على الإفراد وعلى الشعوب .. لأن الخائف يتوهم أن عدوه أو خصمه هو اقوي منه ويمتلك القدرة على إلحاق الضرر به دونما معرفة حقيقة بواقع الخصم . وهذا الخوف الوهمي قد يكون ناتج عن تجربة سابقة مع المخاف منه ومشاهدة ما وقع به أو بغيره من الاذاء والظلم , ثم تستمر هذه الصورة عالقة في ذهن الخائف وتمنعه من تكرار أية محاولة جديدة  لكشف حقيقة قوة خصمه .  وهذا المثال واضح في قصة الجن مع سليمان عليه السلام حيث استمر الجن في العمل والعذاب المهين مع أن سليمان عليه السلام كان قد مات , وذلك للصورة العالقة في ذهنهم بقدرة سليمان : "فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلم خر تبنيت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين" سبأ 14 .

وهذا الخوف الوهمي هو ما تسعى إليه أغلب أنظمة العالم الإسلامي من زرعه في قلوب الناس حتى تستمر شعوبهم في  العذاب المهين ويستمر الحكام في البقاء على كراسي الحكم . فهؤلاء الحكام يواجهون خصومهم منذ البدء بأشد أنواع التنكيل والتعذيب والقتل , ويدعون من وقت الى آخر اكتشاف محاولات الانقلاب والتغيير ولو كان كذبا حتى يوهموا الناس أن النظام عيونه في كل مكان ويده تطول كل من فكر في القيام بأي عمل ضده . ومع الوقت يتمكن النظام من بناء حاجز الخوف والرعب في النفوس ويكون ذلك هو الأداة الوحيدة لاستحكام قبضتهم على مقاليد الحكم .

وإذا تعود الناس على هذا المسلك يصبح الخوف سجية لهم ويكون خوفهم هذا ليس سببا في استمرار استعبادهم واستغلالهم من قبل النظام فحسب , بل يكون أداة تحمي النظام الطاغي لأن خوفهم يدفعهم للوقوف في وجه كل من يحاول كسر حاجز الخوف لاعتقادهم أن أي تحرك ضد النظام سيزيد من معاناتهم , ولهذا يكونوا عيونا للنظام وحراسا له .

وقد ذكرنا سابقا أن درجة الخوف تقل أو تزيد بحسب تقدير الإنسان لقدرته أو للقوة التي يستند إليها ويستمدها من غيره , ولهذا فان هناك وسيلتين لكسر حاجز الخوف :

 

الوسيلة الأولى هي أن يبحث الفرد أو المجموعة أو التنظيم أو الدولة لقوة أخرى تمتلك من الإمكانات والقدرات لدعمه وإسناده من أجل كسر حاجز الخوف ودفعه لمواجهة خصمه أو محاربة عدوه .

فعلى مستوى الفرد مثلا نجد أنه في بلادنا اذا اعتدى أو تسلط عليك أحد رجال الأمن أو المخابرات أو أحد المسئولين فان الوسيلة الوحيدة للتخلص من هذا الاعتداء ليس هو القانون أو التصدي للظالم بل يكون بالبحث عن "واسطة" , أي البحث عن مسئول اخر اقوي نفوذا من المعتدي لتخليص المعتدى عليه أو لرد حقه وان لم يجد ذلك المعين أو الوسيط فان حقه يضيع .

وعلى مستوى الجماعات أو التنظيمات فإننا نراها تسعى للبحث عن سند خارجي لمواجهة خصمها . وهذا ما يجعل الكثير من التنظيمات والأحزاب ترتمي في أحضان قوى كبرى أو دول أخرى قد تكون أشد ظلما لشعوبهم من النظام الذي تريد مواجهته .

وعلى مستوى الدول والحكومات فإنها تستنجد في حالة الأزمات ر بالأمم المتحدة أو الى الدول الكبرى أو الدول المجاورة , وهذا ما فعلته الكثير من الدول في السابق وتفعله اسرائيل في عدوانها على الدول العربية وفعلته الكويت وأفغانستان والعراق وكثير من دول المنطقة .

وهذا الدعم أو الإسناد قد يكون دافعه المعتقد الديني أو الايديلوجي و قد يكون دافعه المصالح المادية والإستراتجية , وفي الغالب لن يخلو هذا الدعم أو الإسناد من ثمن يدفعه المستنجد ولسنا في حاجة للتفصيل في هذا الأمر فالواقع خير شاهد .

أما الوسيلة الثانية فهي الالتجاء الى قوة الله وعونه ثم الاعتماد على النفس وإعداد القوة المطلوبة والأخذ بالأسباب , وهذا هو مسلك الأنبياء والصالحين . فقوة الله هي الوحيدة التي تبدد وهم الرعب وتكسر حاجز الخوف في النفوس كما قال إبراهيم عليه السلام : " وكيف أخاف ما اشركتكم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن أن كنتم تعلمون" الإنعام 81.

وهذا موسى عليه السلام تبدد خوفه وانطلق إلى مواجهة فرعون وجنوده بعدما أيقن من معية الله : "قال لا تخافا إنني معكما أسمع و أرى" طه 46 . وبعدما أخذ بالأسباب حيث طلب من الله أن يرسل معه أخاه هارون سندا له : " وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون " القصص 34 .

وهذا المصطفى صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام طرحوا الخوف خلفهم واعتمدوا على قوة الله في مواجهة عدوهم رغم عدم تكافي القدرات ولم تثنيهم الحملة الإعلامية والحرب النفسية على مهمتهم : "إن الذين قال لهم الناس أن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل" آل عمران 173 .

ولا شك أن هناك ثمن يدفع حتى في إتباع هذه الوسيلة بالركون الى قوة الله , ولكن هذا الثمن مقابله الجنة ورضوان الله كما في الحديث عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره و نهاه فقتله " .

وشتان بين هذا الثمن  و الثمن الذي يدفعه الأول من الارتماء في أحضان البشر واستبدال سيد بسيد وطاغية بطاغية .

ان امتنا اليوم تعيش في معظمها في وهم الخوف .. الخوف من العدو , والخوف من النظام , والخوف على الحياة , والخوف على الأرزاق , والخوف على الأهل والأولاد .. الخوف من كل شيء الا من الله , لأنها لم تركن الى قوة القوي ولم تطلب العون من ملك الملوك , فهي تفر من ظالم الى أظلم ومن جور حاكم الى جور قوى كبرى هي أشد بطشا وحقدا وتنكيلا .

ان الظلم الذي نعيشه اليوم ليس له من دون الله كاشفة , وكسر حاجز الخوف الرهيب الذي أصابنا لا يمكن أن يتم الا بالعودة الصادقة الى الله وبالصبر والمصابرة , ولنا فيما يجري في لبنان و فلسطين دروس وعبر لمن كان له قلب أو القي السمع وهو شهيد . وكسر حاجز الخوف يمكن أن يتمن بتدريب النفوس وتطويعها , ولقد فراءت  في بعض أدبيات الثورة الإيرانية أن الخميني كان يأمر أتباعه وأنصاره في ايران الذين اشتد خوفهم من الشاه ومخابراته "السفاك" القوية , كان يأمرهم أن يقوم كل فرد في ساعة معينة وفي يوم معين بفتح نافذة بيته ثم يصرخ بأعلى صوته " لسيقط الشاه " عدة مرات  ثم يغلق عليه نافذة بيته , وهذا يجعل من الصعب على أجهزة الأمن والمخابرات اقتحام كل البيوت واعتقال أفراد الأسرة أو إلحاق الضرر بهم لأنهم ليسوا في مواجهة مباشرة معهم , ولكنه في نفس الوقت يدرب النفوس لتتمكن من كسر حاجز الخوف الذي زرع في قلوب الايرانين طوال عدة عقود .

فهل نجرى نحن في بلادنا على الأقل بفتح نوافذ بيوتنا ونصرخ بأعلى أصواتنا ليسقط ..... ؟‼

 

محمد نصر mnasr1974@yahoo.com