الصفحة الرئيسية

   

الصفحة الرئيسية

      

لـيـــبــيا الجــــديـــد ة

 

 

 


 
قراءة متحررة في مشروع الإصلاح الوطني الليبي


 


 

بتتبع بسيط لتصريحات الشخصيات الهامة في النظام السياسي الليبي، وللقرارات الصادرة عن اللجنة الشعبية العامة ـ سواء في تشكيلتها الحالية أو السابقة ـ ولبرامج التلفزيون الليبي الرسمي يلمس بشكل واضح أن هناك تفاعلا كبيرا داخل منظومة اتخاذ القرار في ليبيا نحو إحداث استدراكات على الأوضاع الداخلية على كافة المستويات بهدف التلاؤم مع متغيرات المرحلة ومع متطلبات الانفتاح الخارجي شبه الكامل على الغرب عموما والولايات المتحدة خصوصا.
لقد بدأت عجلة الاستدراكات والمرجعات الداخلية بالدوران عندما استخدم النظام السياسي الليبي ملف الانفتاح الاقتصادي على الغرب، ومحاولة استقطاب وتشجيع الشركات العالمية وخاصة الأمريكية لدخول السوق الليبي للاستفادة من خبرتها وقدراتها المالية للاستثمار في السوق المحلية من جهة، ولبناء جسور الثقة مع الدول الكبرى وتسوية الملفات الخارجية الليبية العالقة منذ أكثر من عقدين من الزمن مع الولايات المتحدة وحلفائها في أوروبا من جهة أخرى. وقد تم إنجاز غالب الأهداف فيما يخص التسوية الخارجية وطي الملفات العالقة، إلا أن ذلك يتطلب بطبيعة الحال مجموعة من الإصلاحات الداخلية كضمانات مساندة ولازمة لطمأنة تلك الأطراف وإيجاد حالة استقرار سياسي حقيقي داخلي، والتي يعتبر التراجع عنها مغامرة محفوفة بقدر كبير من المخاطرة بالمكاسب التي تحققت حتى الساعة الراهنة على المستوى الخارجي ولن يفسر إلا بأنه تراجع عن الخطوات الأولى الانفتاحية.

هذا الأمر دعا النظام السياسي الليبي إلى التفكير بجدية في العمل على إيجاد مشرع إصلاحي خاص به يلبي المطالب الخارجية دون أن يمس المعادلة السياسية الحالية في مكوناتها الداخلية الرئيسية. وكما أسلفنا في مقال سابق فإن مشروعا للإصلاح الداخلي من الظاهر أنه قد وضع على الطاولة السياسية الداخلية وهو في طور التفاعل الجاد على مختلف المستويات الفاعلة في المنظومة السياسية القائمة. والمشروع يكاد يكون واضحا في معالمه الأساسية، بل إن حماسة القيادة السياسية ودعمها للمهندس سيف الإسلام القذافي لكي يدفع بالمشروع أصبح أمرا جليا ومعروفا. صحيح أن انطلاق المشروع لم يؤذن له بشكل نهائي وصريح ولا زال يواجه شيئا من التعثر وخاصة من قبل بعض الشخصيات التقليدية المتنفذة التي تعلن بوضوح عدم إيمانها به وتبنيها له. غير أن أنصار المشروع والمؤيدين له يتزايدون مع الأيام بشكل ملحوظ بالإضافة إلى أن القائمين عليه حريصون على تسويقه وعلى وإنضاجه بشكل سريع - مستفيدين في ذلك من سرعة وضغط الحراك الدولي - مما يكسبه رصيدا جديدا كل يوم.

لا شك أن المشروع يلقى مباركة وتأييدا وحماية مباشرة من القيادة السياسية، خاصة بعد التصريحات الناقدة والمباشرة التي أبداها العقيد معمر القذافي في مناسبات عديدة للأوضاع السائدة الداخلية على جميع المستويات، وسماحه بشكل واضح بتناول هذا الموضوع على مختلف المستويات في منظومة الدولة لكي تطرح حلولا مناسبة لهذا التردي الذي لم يعد يقبله الواقع السياسي الحالي، بل ربما أصبح مهددا للاستقرار الداخلي في وقت أضحى التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية سمة عامة ومقبولة على المستوى الدولي بحجة الإصلاح. وهو لا زال بطبيعة الحال ينتظر الإذن الصريح للانطلاق الميداني الحقيقي.

مشروع الإصلاح لم يعلن عنه بشكل متكامل وصريح. غير أن المهندس سيف الإسلام القذافي – الذي يبدي حماسة كبيرة للمشروع – قد عبر عن محتواه من خلال تصريحاته المباشرة والواضحة في أكثر من مناسبة بشكل غير منظم. وربما كان ذلك مقصودا في هذه المرحلة حتى لا يتصور الرأي العام أنه انقلاب على الموجود.
وفي محاولة لجمع نواحي هذا المشروع الذي قام المهندس سيف الإسلام بعرض أهم نواحيه عبر تصريحات له في مناسبات عدة، بدا في صورته التالية:

أولا : محور المصالحة الوطنية:
وفي هذا المحور قدم سيف الإسلام دعوة واضحة لردم مرحلة الظلم، وتضميد جراحات المجتمع الليبي السابقة، وتحقيق مصالحة وطنية شاملة، وتعويض المتضررين.(1)(2)(3)(4)
ثانيا : محور الإصلاح الدستوري:
وقد دعا سيف بشكل صريح إلى وضع دستور للدولة.(5)
ثالثا : محور إصلاح المؤسسة القضائية، وأورد فيه:

1) التأكيد على عدم شرعية المحاكم الاستثنائية (كمحكمة الشعب، والمحاكم الثورية)، والتأكيد على صوابية قرار إلغاءها، وضرورة مراجعة القرارات الصادرة عنها، وإنصاف المحكومين من قبلها ظلما.(6)(7)(8)

2) التأكيد على تطوير القضاء ليتصف بالكفاءة، والاستقلالية، والنزاهة.(9)(10)
رابعا : محور الإصلاح القانوني والحقوقي، وفيه:
1) إلغاء القوانين الاستثنائية، والقوانين الوهمية، وممارسات الاعتداء والتعذيب.(11)
2) العمل على صياغة مجموعة من التشريعات والقوانين التي زعم أنها سوف تعرض للتصديق قريبا، والتي ستحدث نقلة نوعية جادة في توفير المناخ السياسي الحر.(12)
خامسا : محور الإصلاح السياسي، وتفعيل مؤسسات المجتمع المدني، وأورد فيه:
1) الإفراج عن السجناء السياسيين الذين لا يتبنون العنف (ومنهم الإخوان)، وإرجاعهم إلى سابق أعمالهم، والسماح لهم بالتفاعل الطبيعي في المجتمع وممارسة الحقوق المدنية والسياسية دون عوائق.(13)(14)(15)
2) تعزيز الديمقراطية.(16)
3) ضرورة تحول اللجان الثورية إلى مؤسسة مجتمع مدني، إذ عليها أن تراجع سياساتها، وتتخلص من عناصرها السيئة.(17)
4) ضرورة تطوير جميع مؤسسات الدولة دون استثناء، بما في ذلك مؤتمر الشعب العام.(18)(19)
سادسا: محور تفعيل الدور الإقليمي لمؤسسات المجتمع المدني، ودعم مسار الحرية وحقوق الإنسان في المنطقة، وقد فصل في المشروع على النحو التالي:
1) العمل على تعزيز مسار الحرية، وإدخال الديمقراطية الحقيقية في منطقة الشرق الأوسط، وترسيخ فكرة حقوق الإنسان.(20)
2) تكوين ( ائتلاف نشر الحرية) الذي يضم المنظمات العربية غير الحكومية لتفعيل دور المجتمع المدني في مقابل أداء الحكومات.(21)
سابعا : محور الإصلاح الإداري:
وضمنه مراجعة شاملة للجهاز الوظيفي، وتطويره إلى أعلى درجات الفاعلية.(22)(23)
ثامنا : محور إصلاح وتحرير وسائل الإعلام، ويشمل :
1) إنشاء صحافة حرة، وتشجيع الملكية الخاصة للصحافة.(24)
2) إنشاء صحافة محترفة ومسؤولة ومحترمة.(25)
3) تشجيع وسائل الإعلام العالمي، ووكالات الأنباء العالمية للتواجد في ليبيا.(26)
تاسعا : محور الإصلاح الاقتصادي:

1) الخصخصة.(27)
2) وضع استراتيجية تهدف إلى تحديث وتعزيز قدرات ليبيا الاقتصادية، تركز على العمل التجاري الحر.(28)
3) التركيز على قطاعات التعليم والصحة ومنشآت توليد الكهرباء والبنية التحتية.(29)(30)
هكذا بدا المشروع في شكله العام، غير أن إسقاطاته الواقعية ظهرت واضحة في الجانب الاقتصادي على وجه الخصوص، فقرارات اللجنة الشعبية العامة وأماناتها المختلفة الصادرة في السنة الأخيرة على سبيل المثال تركز بالدرجة الأولى على جانب الإصلاح الاقتصادي وخاصة فيما يتعلق بانفتاح السوق والخصخصة، الأمر المتعلق مباشرة بتوفير مناخ من الاستقرار الاقتصادي للشركات ولرأس المال الأجنبي في السوق الليبي كخطوة هامة أولى مطلوبة من قبل تلك الشركات.
وفي هذا الإطار تأتي الدراسة الكبيرة المتصفة بعمق منهجيتها التحليلية والعلمية، وهي الدراسة الهامة التي أعدها فريق من المجلس الأعلى للتخطيط بإشراف البروفسور بورتر (Michael Porter) الاقتصادي الشهير من جامعة هارفارد والدكتور دانيال يرقين (Daniel Yergin) من شركة كمبريدج لاستشارات الطاقة (CERA) التي صدرت في شهر فبراير الماضي والتي شارك في إعدادها (200) شخصية ليبية من رجال الدولة، و(60) رجل أعمال من ليبيا وخارجها.
الإستراتيجية الاقتصادية الوطنية (National Economic Strategy)، دراسة تقع في 203 صفحات بالإنجليزية، وتتكون من 9 فصول و 4 ملاحق. الفصل 5 تقييم للقدرة التنافسية للاقتصاد الليبي، الفصل 6 تقييم لخمسة قطاعات (Clusters)، الطاقة و السياحة و الزراعة و البناء و قطاع التجارة العابرة، الفصل 7 تقييم لثلاثة قطاعات اجتماعية حيوية و هي الرعاية الصحية و التعليم و التخطيط العمراني، الفصل 8 يحتوي على الأفكار الرئيسية من تقييم التنافسية، الفصل 9 يحتوي على أجندة العمل (Action Agenda) و أجندة الإجراءات العاجلة (Actions for Pressing Issues) لعام 2006م، والفصل الأول هو الموجز التنفيذي (Executive Summary).(31)

جل الدراسة يصب في تحليل الوضع الاقتصادي و صياغته في إطار نموذج بورتر، نموذج تنمية الاقتصاد بالتركيز على قطاعات. التحليل يحتوي على معلومات مهمة جدا، وهي معلومات من مؤسسات الدولة، ينبغي على كل مهتم بالشأن الليبي الإطلاع عليها.
وقد خلصت الدراسة إلى وضع رؤية لليبيا عام 2019م، والأفكار الرئيسية من تقييم التنافسية، وأجندة العمل، ووضعت أجندة للإجراءات العاجلة لعام 2006م.
غير أن الدراسة قد تناولت بالتحديد موضوع الإصلاح الاقتصادي ولم تتناول بقية جوانب الإصلاح إلا فيما يتعلق بالبعد الاقتصادي المطلوب وفي إطار نظرية الحكم الحالية.
السمات العامة لمشروع الإصلاح الذي يطرحه النظام السياسي الليبي:
بدون شك يأتي المشروع في الوقت المناسب تماما، إذ أن التحولات السياسية الحالية تتطلب بحق مشروعا إصلاحيا شاملا وحقيقيا تلتف حوله القوى الوطنية في مواجهة المشروع الخارجي. وربما تمثل هذه المبادرة سبقا في الساحة السياسية لا يمكن تجاوزه.
كما أن سعة المشروع واستيعابه لأغلب مكونات منظومة الدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية قد حققت له أيضا ميزة إضافية صبغته بالشمول والعمق على السواء. في الوقت الذي لا نكاد نجد في المقابل أي طرح من الممكن توصيفه بالمشروع الكامل أو شبه الكامل، ومن ذلك الأفكار الإصلاحية المحدودة لبعض شخصيات حركة اللجان الثورية التي تطالعنا من حين إلى آخر. فرغم ما يتبادر إلى مسامعنا من أن الحركة تقوم في الآونة الأخيرة بمراجعات داخلية لطبيعة التحولات المقبلة وكيفية التكيف معها، وضرورة أن يكون لها مشروعا إصلاحيا يستدرك على الأوضاع القائمة يما يحفظ مستقبل وجودها كحركة ذات رصيد وتاريخ يحمل في طياته بعض الإيجابيات والكثير من السلبيات في حس عموم المواطنين على مختلف المستويات. إلا أن ما يظهر حتى الآن لا يتعدى بعض المقترحات الجزئية التي لا يمكنها تلبية الاحتياجات الإصلاحية للمرحلة.
كما لا يمكن إنكار أن أي من الشخصيات كما القوى السياسية الليبية الأخرى التي تنادي بالإصلاح (سواء المتواجدة في داخل البلد أو خارجه) لم تتجاوز في طرحها المعاني العامة والمقدمات النظرية التي تفتقر إلى المشروع العملي الحقيقي الصالح للتطبيق.

ومن مزايا المشروع المطروح ذلك المستوى العالي من التحمس الذي يبديه المهندس سيف الإسلام له، والذي يعطيه قوة إضافية نظرا لما يتمتع به سيف من ثقة النظام السياسي الليبي، ولما يحوزه كذلك من قبول لدى الغرب، ولكونه غير مسؤول عن مرحلة الماضي في جانبها السلبي أمام بقية القوى الوطنية.

غير أن المشروع لم يطرح متكاملا وواضحا في جوانبه التنفيذية، في الوسائل والآليات، فبرغم وضوحه في كثير من منطلقاته الأساسية وأهدافه العامة إلا أنه لم يطرح خطة العمل التنفيذي لتحقيق هذه الأهداف الكبيرة. والأمر ليس هينا بحق، ولكن واقعية المشروع وجديته تتطلب تكميل جوانبه التنفيذية التي سوف تمنحه المصداقية لدى القوى السياسية المختلفة كما بقية فئات المجتمع. إن الخطوات التنفيذية الحالية للمشروع التي بدأت بالتركيز على الجانب الاقتصادي تتجه في مضمونها العام إلى تبنى انفتاح السوق والخصخصة بشكل يفتقر إلى الكثير من التدرج مما يجعلها بعيدة عن هموم المواطن الذي لا زال يعاني من آثار مرحلة الاشتراكية والاعتماد الكامل على الدولة. مما ينبئ بعدم وضوح الخطة التنفيذية المتكاملة للمشروع التي تتناسب مع أهدافه العامة.
كما أن المشروع لم يصرح بشكل واضح بضرورة مشاركة القوى السياسية الوطنية المتعددة فيه، إذ لا يعقل بأي حال من الأحوال أن تضمن المجموعة المحدودة التي تتبناه اليوم نجاحه بمفردها. بل إنه لا يمكن للمشروع تحقيق أهدافه حتى لو تعاضدت له كل مكونات النظام السياسي الحالي، فهذا المشروع، وأي مشروع إصلاحي وطني حقيقي لن يتحقق له النجاح إلا بالالتفاف الوطني الشامل حوله في ظل شراكة حقيقية لكل القوى الوطنية الصادقة. يحتاج المشروع أن يكون واضحا وصريحا في دعوته الجميع للمشاركة وفق تصور حقيقي مقنع للشراكة.
خلاصة القول:
أولا:
إننا مقبلون على مرحلة غير مسبوقة في تاريخ ليبيا، وهذه التحولات التي نعيش بداياتها على المستوى الداخلي بشكل بطيء والتي تأتي متزامنة مع خطوات التقارب الليبي الأمريكي - الأوروبي سوف تشهد تسارعا خلال الفترة القادمة مع تنامي التواجد الأمريكي - الأوروبي الاقتصادي داخل السوق الليبي.
ومع أن المعادلة الداخلية في هذه المرحلة سوف تتسم بالتحولات الاقتصادية المتسارعة في منظومة القرارات المؤيدة والضامنة لحركة رأس المال الأجنبي في بادئ الأمر، غير أنها ستتعدى الجانب الاقتصادي إلى توسع التأثير السياسي والاجتماعي للقوى الخارجية تحت مسمى الإصلاحات الداخلية، والذي سوف يوجد معادلة داخلية جديدة من المتوقع أن يتقلص فيها نفوذ النظام السياسي الحالي بشكل ملحوظ.
ثانيا:
إن تأثيرات العولمة وتوسع النفوذ الدولي في المعادلات الوطنية لمختلف الدول قد أوجد حالة عالمية جديدة اضمحلت فيها حالة الهيمنة الكاملة للأنظمة السياسية داخل دولها، وتقلصت فيها الحدود الوطنية، وأوجدت حالة من التنوع السياسي الداخلي الذي يسمح بمشاركة مختلف الأطياف السياسية وفق معايير ورقابة دولية توفر لها مساحة واسعة من الحرية. لذا فعلى القوى السياسية الليبية – شأنهم في ذلك شأن بقية دول العالم - أن تدرك أن مرحلة الإقصاء السياسي الكامل قد ولت بغير رجعة، وأن المعادلة الجديدة سوف تسمح بوجود الجميع (النظام السياسي الحالي، كما القوى السياسية الليبية الأخرى) في ساحة الفعل السياسي بأشكال متفاوتة في قوتها ونفوذها وفق معطيات المعادلة السياسية الجديدة. وأن من الحكمة الكبيرة أن يتجه النظام السياسي الليبي في هذه المعادلة الجديدة إلى توفير المناخات الحقيقية للمشاركة الجماعية وتوجيه القوى الوطنية لتكتل في خدمة المشروع الوطني العام.
ثالثا:
هذه الصورة المتوقعة للخارطة السياسية الداخلية التي سوف تتوزع فيها أشكال النفوذ السياسي الوطني بالإضافة إلى وجود النفوذ الخارجي القوي فيها أيضا، تمثل في الحقيقة صورة خطيرة على المصلحة الوطنية العليا إن لم تحسن القوى الوطنية الفاعلة فيها إدارتها بشكل جيد. إذ أن المصلحة الوطنية تقتضي أن يتناولها النظام السياسي الليبي الحالي - كما بقية القوى السياسية الليبية الأخرى - على أنها مرحلة التكاتف الوطني الصادق في مواجهة المشروع الخارجي وتنفذه في الشؤون الداخلية في ظل معادلة سياسية ثنائية ينبغي على جميع القوى الوطنية فيها أن تتخندق على صعيد واحد وبشراكة صادقة لا شك أنها تتطلب نفسية جديدة للقبول بالآخر وتجاوز صدامات الماضي بكل آلامها. والخوف كل الخوف أن تغلب في هذه المرحلة معادلة النمطية التقليدية في التفكير والأداء السياسي، وإيثار المصالح الشخصية والقبلية، وخدمة الاتجاهات الفكرية والحزبية الخاصة. فلا ينبغي بأي حال أن تكون مشاركة القوى الليبية في المعادلة القادمة مستصحبة لنفسية الإقصاء التام للآخر، أو مستمرة في العمل وفق نفسية الصدام بين النظام وقوى المعارضة المختلفة خلال العقود الماضية، أو أن تقدم مصلحة فكر سياسي حزبي محدد على المصلحة الوطنية العليا مهما بدت المصلحة الحزبية نبيلة وعظيمة، أو أن تدار المرحلة بغية الزعامة لقبيلة أو إقليم، أو أن يكون دافع البعض هو تصفية الحسابات الشخصية القديمة، فتنقلب بذلك إلى ساحة صراع سياسي ليبي – ليبي بدل أن تكون ساحة وحدة وطنية في ظرف خطير وعسير من عمر وطننا الذي يتطلب تكاتفا غير مسبوق.
رابعا:
إن كل تأخر في رسم الخارطة السياسية الصحيحة المقبلة سوف يكون على حساب المصلحة الوطنية، وسوف يساهم في تحجيم الصف الوطني بجميع أطيافه لصالح معادلة التنفذ الخارجي، ولن يصب ذلك لا في مصلحة الوطن والمواطن، ولا في صالح النظام السياسي الحالي، ولا في صالح بقية القوى السياسية الوطنية.
خامسا:

إن المدخل الطبيعي لمرحلة التكاتف الوطني هي أن تنشأ في هذه المرحلة حوارات واسعة ومتعمقة داخل أروقة التكتلات السياسية بما فيها أروقة النظام السياسي الليبي نفسه لرسم خطتها المناسبة حيال المرحلة الجديدة وحشد الطاقات المؤمنة بالأهداف الوطنية العليا للمرحلة، وربما إعادة تصنيف الصف وفق ما تتطلبه المرحلة من مواصفات شخصية خاصة قد تختلف كثيرا عن متطلبات المرحلة السابقة، ليتوج هذا الجهد في أقرب وقت ممكن بحوار وطني جماعي لرسم الخارطة الوطنية القادمة التي يجب أن يؤمن العاملون فيها أن المصلحة المطلوبة هي المصلحة الوطنية مهما كانت التنازلات الخاصة مؤلمة.
سادسا:
وأخيرا لابد للقوى الوطنية جميعها أن تلتف حول مشروع واضح المعالم للإصلاح الوطني، ولا ضير على الإطلاق أن يكون المشروع الذي عبر عنه المهندس سيف الإسلام هو المنطلق في ذلك، مع التأكيد على جوانب هامة، منها:
• اتسام المرحلة الأولى للمشروع بالمصالحة والوفاق الوطني والتجاوز عن الماضي الذي يجب أن يبدأ بعفو سياسي عام يشمل الجميع، وهذا أيضا يحتاج إلى نفسية كبيرة على أساس التجاوز عن الآخر وخاصة الشخصيات التي مارست الظلم السياسي غير المبرر في مرحلة سابقة. ويجب ألا يغيب عنا ونحن بصدد الحديث عن نقطة المصالحة والوفاق الوطني إلى أن مخلفات الماضي من المظالم بين الناس والفئات والقبائل، والتركيبة الاجتماعية وطبيعة توزيع السلاح والقوى بين مختلف القبائل والفئات، كل ذلك من الممكن أن يكون وقود اضطرابات وفوضى داخلية تقتضي الحكمة أن ينصب كل حرصنا على تجنيب البلد ويلاتها، وخاصة في الظروف التي قد تؤججها علينا مؤثرات من الخارج.
• أن يكون المشروع جماعيا يمثل ويشارك فيه الجميع، وليس مقصورا على جهة سياسية واحدة. فالشراكة الحقيقية والوحدة الوطنية، والحرص على التكاتف الوطني حول المشروع من قبل جميع القوى والشخصيات الوطنية بدون أي إقصاء أو تهميش من أهم مقومات النجاح، وهذا يتطلب نفسية جديدة للتعامل مع الجميع بما فيهم أولئك الذين كانوا يعتبرون في يوم من الأيام من المعارضين الرجعيين في نظر النظام، أو الذين كانوا يعتبرون من المتسلطين المنتفعين في نظر المعارضة، والمقياس في القبول والرفض هو معيار الوطنية الصادقة والقدرة على القبول بمعادلة الشراكة لتحقيق المصلحة الوطنية ولو على حساب المصالح الشخصية والحزبية.

• أن يتسم المشروع بالشمولية لا في فكرته فحسب، بل في تطبيقه على أرض الواقع. فلا ينبغي أن يكون الإصلاح فيه مقتصرا على جوانب محدودة ضيقة، إذ لا بد أن يشمل واقعيا إصلاحات سياسية وتشريعية واقتصادية واجتماعية وهيكلية وإدارية وتنفيذية. وغاية المقصود أن يهدف المشروع إلى تطوير العنصر البشري الوطني المستقل، وتفعيل مؤسسات المجتمع المدني، واستقلالية السلطات المحترمة في تخصصها وأدائها كل الاحترام، والاهتمام بالبنية التحتية، ومحاربة الفساد، وتحديد المسؤوليات والصلاحيات في منظومة الدولة دون تعدي بعضها على بعض، مع تحمل مسؤولية اتخاذ القرار من قبل المسؤولين.

• التدرج في التنفيذ على اعتبار أن التدرج سنة طبيعية من سنن الله في الكون، كما أننا لا يمكننا عقلا القفز على الواقع الحالي بكل ملابساته وتعقيداته في خطوة واحدة. ولكننا يجب أن نحدد مع ذلك أوليات المشروع، وأن تكون البداية بالجوانب الأساسية الأهم والأكثر تأثيرا، وألا تكون خطواتنا على حساب المواطن في مقومات حياته الأساسية.

• ليس من الضروري أن يشمل مشروع الإصلاح تغيير نظرية الحكم الحالية القائمة على الديمقراطية المباشرة وتوزيع السلطات التشريعية والتنفيذية بين مؤتمرات شعبية ولجان شعبية. غير أن ذلك لا يعني بالضرورة التسليم بالوسائل والإجراءات الحالية في تطبيقها. فمن الطبيعي أن يطال الإصلاح آلية اتخاذ القرار وآلية تنفيذه، إذ أن إعطاء حق القرار للمواطن وحق مراقبة تنفيذه غاية تهدف إليها كل النظريات السياسية، ولكن على أن يكون ذلك بحرية كاملة حقيقية ودون تدخل قصري في ذلك. ومن هنا كان لزاما على حملة مشروع الإصلاح الوطني الارتقاء بمستوى فاعلية المواطن من حالة الإحباط الكبير التي يعيشها إلى حالة تؤهله لتحمل مسؤولية المرحلة القادمة بالمشاركة الكاملة والحقيقية في اتخاذ القرار والمشاركة الفاعلة في تنفيذه كل بحسب موضعه ومسؤولياته وصلاحياته.
• تحتاج كثير من الأطراف أن تجرى مراجعات لمسارها السابق، ومن أهم تلك الأطراف تبرز حركة اللجان الثورية المدعوة لأن تحسن تحولها إلى مؤسسة مدنية بعيدة عن السلطة التنفيذية، بحيث لا تتجاوز دورها المرسوم لها في النظرية (التي تعتبر أن اللجان الثورية مؤسسة تحريضية دورها مؤقت في المنظومة السياسية ينتهي بتسلم المواطن السلطة بشكل حقيقي)، وعلى أجهزة الدولة العسكرية والأمنية أن تلتزم بدورها الطبيعي في حماية الوطن والمواطن ولا تتدخل في المعالة السياسية بأي شكل من الأشكال، ولابد للمواطن من أن يشعر فعلا بالأمن والأمان في الإدلاء بصوته وفي مزاولة صلاحياته دون أي خوف ولا وجل.
• كما أن من أهم مقومات نجاح المشروع قيام مؤسسات مدنية حقيقية تشكل في دائرة المجتمع تدافعا طبيعيا يرتقي بمستوى الأداء العام ويحقق المصلحة الوطنية العامة بجانب المؤسسات الثلاثة التشريعية والقضائية والتنفيذية بشكل طبيعي تتوزع فيه الأدوار وتتحقق فيه الاستقلالية الكاملة وتمارس فيه الصلاحيات بحرية وثقة تامة.
إن هذه المقومات الأساسية قد تكفل - إذا ما تمت بشكل صحيح - الانطلاق بمشروع الإصلاح في مرحلته الأولى على الأقل، ثم لا بد من العمل المشترك الدؤوب لتجاوز العقبات التي قد تواجهه بعد ذلك. ولا شك أن العناصر الوطنية الصادقة لن تتردد في أداء دورها الوطني المطلوب الذي هو فوق كل الآلام والمصالح إذا ما أتيحت لها الفرصة الحقيقية للمشاركة.

ويبقى المشروع رهن إعلان صافرة الانطلاق التي لا يملك أن يطلقها إلا النظام السياسي الليبي وحده في وقت أضحت النفوس متهيئة لسماعها حتى يأخذ كل مخلص وطني مكانه الطبيعي في معادلة الوطن العزيز، فهل سيشهد هذا المشروع الانطلاق الحقيقي في هذه الظروف الصعبة غير المسبوقة؟ نرجو أن يكون ذلك قريبا وقريبا جدا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1) أن هذه الفرصة وهذه المناسبة و أن المجتمع الليبي ضمد جراحه و يردم إلى غير رجعة هذه الذكريات التعيسة و أنه الآن توجد حقيقة أخرى و مستقبل آخر (سيف الإسلام، مؤتمر مؤسسة القذافي 20\8\2005م)

2) انتهاكات حقوق الإنسان التي حصلت في ليبيا في الماضي إذا كان أحد ما قد فقد حياته أو مات لسبب أو آخر أو سبب باطل أو أحد حصل له الأذى لماذا لا يفتح الملفات و تتم المصالحة و يتم تعويض الناس و يتم بشكل مادي أو معنوي يرضيهم و يتم بمعنى تضميد كامل لهذه الجروح (سيف الإسلام، المصدر السابق)

3) تعويض الليبيين الذين تم في فترة من الفترات مصادرة أموالهم وممتلكاتهم (سيف الإسلام، المصدر السابق)

4) بالإضافة الآن سنفتح الملفات السابقة الانتهاكات السابقة ملفات المحاكم الثورة محكمة الشعب يتم تعويض الناس، هذه كلها ستنفتح وهذه ستكون يعني وقائع على الأرض (سيف الإسلام، برنامج ما وراء الخبر بقناة الجزيرة 20\8\2005م )

5) الكلام عن دستور في ليبيا لابد من وجود دستور يوضح كل الأشياء ويضع النقاط على الحروف (سيف الإسلام، المصدر السابق)

6) أنا شخصياً ومؤسسة القذافي طعنا في شرعية ومصداقية محكمة الشعب التي حاكمتهم أصلاً. محكمة الشعب والشعب منها براء (سيف الإسلام، مؤتمر مؤسسة القذافي 20\8\2005م)

7) أرى الكثير أو فترة من الفترات التي كانت فيها المحاكم غير الشرعية، المحاكم الثورية أو محاكم الشعب هذه المحاكم الوهمية التي ما أنزل الله بها من سلطان (سيف الإسلام، المصدر السابق)

8)خاصة بعد ما تخلصنا من كل هذه المحاكم الوهمية والمحاكم الاستثنائية مثل المحاكم الثورية ومحكمة الشعب إلى غيرها ( سيف الإسلام، برنامج ما وراء الخبر بقناة الجزيرة 20\8\2005م )

9) لابد من قضاء يعني فعلا بكفاءة ونزيه ومش يكون نزيه ومستقل فقط لابد يكون بالكفاءة لأن القضاء إذا كفاءته تعبانة أيضا هذه مشكلة لأن إحنا كلنا ها نكون أمام قضاء واحد الآن ما عادش فيه عشر أنواع من القضاء زي زمان (سيف الإسلام، المصدر السابق)

10) الأمر الآن جاري على فعلا.. على وضع الأسس والأطر القانونية للنظام القضائي النزيه المستقل فعلا في ليبيا (سيف الإسلام، المصدر السابق)

11) فالآن فيه وضع جديد فيه بيئة أخرى فيه واقع جديد ما عادش محكمة ثورية ما عادش محكمة شعب ما عادش تدخلات ما عادش التعذيب ما عادش فيه قوانين استثنائية وقوانين وهمية الآن فيه قضاء واحد موحد ومستقل في ليبيا (سيف الإسلام، المصدر السابق)

12) هو اللي عندنا الآن فيه كثير من القوانين واللوائح تم إلغائها زي ما تعرف والآن جاري العمل أيضا على يعني صياغة مجموعة من التشريعات والقوانين وبتعرض على المؤتمرات الشعبية للموافقة عليها وللتصديق عليها، هذه الحزمة الجديدة من القوانين يعني ها تعمل نقلة نوعية جدا في توفير المناخ الحر الملائم للحياة السياسية الطبيعية في ليبيا وهذا إن شاء الله يعني ها يكون واقع وفي الجلسة القادمة ضمن المؤتمرات الشعبية (سيف الإسلام، المصدر السابق)

13) أولا بالنسبة لهؤلاء الأشخاص خاصة فيما يخص الإخوان المسلمين هم يعني كلهم الحقيقة متعلمين وكلهم عندهم شهادات وكلهم عندهم هواية في الجامعات وها دول يعني ا&#