الصفحة الرئيسية

   

الصفحة الرئيسية

      

لـيـــبــيا الجــــديـــد ة

 

 

 


 

ماهو خيارنا ؟؟

                               بقلم : د. محمد نصر        

منذ عام 1948 م والأمة الإسلامية والعربية تحلم باسترجاع فلسطين وتخليصها من الصهاينة المغتصبين الذين سلمت لهم بريطانيا الأرض حتى يكونوا أداتها الاستعمارية في المنطقة وعونا على أضعاف الأمة الإسلامية وتفريقها من أجل أن تستمر هيمنة الغرب على مقدرات الأمة الإسلامية والعربية بعدما حصلت أغلبها على ما يسمى بالاستقلال وبعد رحيل القوات العسكرية من أغلب دول المنطقة .

وتحت شعار تحرير فلسطين واسترداد الأراضي المغتصبة قامت الانقلابات العسكرية وتوالت تلك الحركات العسكرية في أغلب الدول العربية رافعة شعارات الوحدة والتحرير وتوظيف الإمكانات من  أجل معركة التحرير . ووضعت الشعوب العربية خاصة في حالة حرب , دون أن تدخل في أي حرب , وتحت شعار الاستعداد للمواجهة ومحاربة إسرائيل واستنفار الأمة , تحت هذه الشعارات قيدت الحريات وحلت الأحزاب والاتحادات وسيطرت الدولة على كافة المؤسسات الإعلامية والصحفية أو قيدت حرية ونشاط ما تبقى منها خارج دائرتها , وأعلنت حالة الطوارئ والأحكام العرفية في كثير من دول المنطقة , وعطلت الدساتير , وأودع الآلاف في السجون والمعتقلات وعلق على المشانق المئات تحت غطاء محاربة الرجعية والعمالة للصهيونية والاستعمار .. وأممت الممتلكات الخاصة , وقيدت حرية الحركة والتنقل , وضيق على الناس في أرزاقهم , وبذلك أحكمت المؤسسة العسكرية والأنظمة الملكية سيطرتها الكاملة على مقدرات الدولة والشعوب دونما رقيب أو حسيب أو سلطان للقانون يردع أو يحاسب اولئك المتسلطين .

وقد انفق جزءا كبير من موارد الدولة على صفات الأسلحة والمعدات الحربية والتي لم تكن لتستخدم الا في الاستعراضات   ولتمويه الناس وإيهامهم من أن الدولة تعد العدة للمواجهة , ولتبرر تضيقها على الناس وتقييد حرياتهم , واعتبر كل من عارض تلك السياسات عدوا للوطن وعميلا للمستعمر وخائنا للأمة وعائقا أمام تحرير الأرض . 

وخضعت الشعوب لتلك الأنظمة و أمام تلك الشعارات وتحت سطوة اليد الحديدية التي حكمت بها ,     منتظرة لليوم الموعود لتحرير فلسطين واسترداد الأرض متحملة في سبيل ذلك كل اساليب التضييق والخناق والحصار .

وجاء اليوم الموعود في عام 1967 م ولكنه لم يكن لتحرير فلسطين وإنما لتسليم مزيد من الأرض , ففي خلال ساعات ست وليس أيام ستة , استولت إسرائيل على جزء كبير من الأراضي المصرية والسورية والأردنية وتحطمت الجيوش الاستعراضية للأنظمة العربية , وسقطت كل الشعارات ولم يكن بإمكان الجندي العربي المهزوم نفسيا والمقهور عقليا والمفرغ إيمانيا أن يواجه الجندي الإسرائيلي الذي يقاتل عن عقيدة وهدف والمدعوم من كل قوى العالم الكبرى والمستفيد من خيانة وتخاذل  القادة والحكام العرب .

وبدل أن يعترفوا أولئك القادة بهزيمتهم وفشلهم وينتحوا عن السلطة كما يفعل الرجال في أغلب دول العالم , أو على الأقل أن يغيروا في سياساتهم تجاه شعوبهم ويعيدوا بناء الإنسان المسلم ويطلقوا باب الحريات ويحرروا المؤسسات الإعلامية والتعليمية من القيود ويفتحوا المجال أمام المصلحين والمربين في ترسيخ العقيدة والإيمان في النفوس حتى يتغلبوا على روح الهزيمة والإحباط وينطلقوا نحو البناء وإعداد العدة ونفض غبار الذل والهوان الذي لحق بهم .. بدل أن يفعلوا ذلك , أمعنوا في استعباد الشعوب وسلب إرادتهم وتحطيم عزيمتهم , بل ان يعظهم رفع رايات النصر معتبرا أن بقاءه في السلطة هو النصر الحقيقي رغم ضياع الأرض والعرض .

وقد استحدثت الأنظمة هذه المرة أسلوبا جديدا يمكنها من استمرار إطباق قبضتها وإحكام سيطرتها وذلك بطرح شعار جديد لتحرير فلسطين واسترجاع الأرضي التي احتلها إسرائيل في حرب ال 1967 م  وهو شعار المعركة السياسية وليس المعركة الحربية لاسترداد الحقوق المغتصبة .  فقد خرج على الأمة الرئيس أنور السادات بزيارة لإسرائيل في 19 نوفمبر 1977 م أعقبها ذلك توقيع اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل في عام 1978 م .

واظهر الحكام العرب في البداية اعتراضا على تلك الاتفاقية واستنكارا لها وان كان في حقيقة أمرهم يؤيدون ما قام به السادات , بل إن بعضهم كان على اتصال مع اليهود قبل ذلك بكثير .. وما هي الا فترة وجيزة حتى توالت اللقاءات والاتصالات مع إسرائيل فوقعت منظمة التحرير اتفاقية السلام مع اسرائيل في عام 1993 والادرن في عام 1994 وتبادلت الكثير من الدول العربية والإسلامية السفارات ومكاتب العلاقات العامة مع اسرائيل ورفع الحذر على التعاون مع اسرائيل أو الشركات التي تتعامل معها .

وأصبح موضوع السلام مع إسرائيل هو مشروع الحكام العرب الوحيد ليس من  أجل تحرير فلسطين وإنما من أجل إعادة الأراضي التي احتلت بعد عام 1967 م وقدموا في سبيل ذلك كل التنازلات الممكنة وغير الممكنة . وحتى يتحقق مشروع السلام الواهم كان لابد أن يتعاون حكام العرب مع اسرائيل وأمريكا على تقويض المقاومة التي لم تقبل بهذا الخيار الذي اعتبرته استسلاما وليس سلاما .  وحتى يتوفر الغطاء لهذه المؤامرة أعيد ياسر عرفات الى غزة واصبح الإرهابي الكبير بالنسبة لإسرائيل وامريكا بطلا للسلام يستحق التكريم ومنحة جائزة نوبل للسلام ورئيسا للدولة الفلسطينية الموعودة .  وتوالت المساعدات المالية والمعنوية من العرب ومن الغرب واسرائيل ولكن ليس لبناء الدولة وانما لبناء السجون والمعتقلات و اجهزة الأمن والاستخبارات والشرطة من أجل كسر شوكة المقاومة وتتبع قياداتها والقضاء عليها نيابة عن اسرائيل حتى يتحقق مشروع السلام الذي تريده اسرائيل .

ورغم كل الجهود التي بذلتها القيادة الفلسطينية والتنازل الذي قدمه حكام العرب لاسرائيل , لم تستطيع المؤسسة الصهيونية كبح جماح رغبتها أو اخفى نيتها في التوسع وسياستها العدوانية , فغزت لبنان واحتلت جزء من أراضيه ولاحقت حركة حماس والجهاد داخل أراضي السلطة متهمة أياها بالتراخي والتهاون في القضاء على المقاومة , بل حاصروا تلك القيادات ودمروا بعض مؤسساتها الأمنية .

وجاءت قرارات مجلس الأمن والفرمانات الأمريكية مطالبة لبنان بنزع سلاح المقاومة ومطالبة السلطة بالقضاء على حماس والجهاد الاسلامي ومقاتلي فتح .

وعندما عجزت السلطتين اللبنانية والفلسطينية  على القيام بهذا الدور وتصفية المقاومة على الوجه المطلوب , تولت اسرائيل, ومن ورائها أمريكا والغرب وصمت العرب, هذه المهمة بنفسها اليوم. وكما قال سفير إسرائيل في الجلسة الأخيرة لمجلس الأمن يوم الجمعة 15 يوليه 2006 ان إسرائيل تقوم بهذه الحرب نيابة عن الحكومة اللبنانية للتخلص من حزب الله والمقاومة الإسلامية حتى تتمكن الحكومة اللبنانية من بسط سيطرتها على كامل الأراضي اللبنانية .

وهي لاشك تقوم بنفس الدور في غزة والضفة الغربية حتى تقضي على حكومة حماس والمقاومة الإسلامية من أجل أن يستتب الأمر للرئاسة الفلسطينية  ويتحقق بذلك السلام الذي تريده اسرائيل وحسب شروطها .

وهذا هو السر وراء الصمت العربي بل وتوجيه اللوم للمقاومة وتحميلها المسئولية الكاملة على ما يجري في لبنان وفلسطين .

واذا نجحت إسرائيل لا قدر الله  في هذه المهمة فعندئذ سيتم الاستسلام الكامل لها وتستطيع بعد ذلك أن تعلن أمريكا نجاحها في الحرب على الإرهاب في المنطقة وإحكام سيطرتها على شعوب المنطقة وتحكم في مصادر الثروة فيها دونما منغصات من الحركات الإسلامية والتحررية ومن ثم تضمن التعاون الكامل والعلني من قبل حكام العرب من أجل القضاء على المد الاسلامي وبذلك يتحقق الأمن لإسرائيل ويتحقق لحكام العرب الاستمرار على كراسي الحكم برعاية أمريكية إسرائيلية .

لقد كشفت الإحداث المتعاقبة التي تجري اليوم النقاب , لكل الغافلين والمؤملين , عن الأنظمة العربية وبينت عجزهم ليس فقط في استرجاع الأرض , بل في الدفاع عما تبقى من الأرض .. عجزت بالحرب وعجزت بالسلم والتنازل , ولهذا كان لابد من الخروج بسيناريو جديد يعطي لهؤلاء الحكام فرصة لاستعادة الأنفاس وللخروج من غضبة الشارع العربي والإسلامي .  ولهذا كان مشروع الجامعة العربية الذي خرج به عمرو موسى الأمين العام للجامعة يوم أمس السبت 15 يوليه والذي حضي باجماع الدولة العربية . هذا المشروع يقول أن مشروع السلام مع اسرائيل قد فشل ولابد من العودة من جديد لمجلس الأمن في سبتمبر القادم من أجل إعادة مشروع السلام للمجلس بعدما كان في يد اسرائيل وحتى يتمكن المجلس من اعادة النظر واتخاذ موقف جدي والا ....

ومن هنا حتى سبتمبر ربما تستطيع إسرائيل القضاء على ما تبقى من المقاومة في لبنان وفلسطين وتطفي غضبة الشارع الإسلامي والعربي ويرضخ الجميع للواقع وتستسلم المنطقة بكاملها لاقدر الله الى المخطط الإسرائيلي الأمريكي   .

هل سينجح هذا المخطط الاسرائيلي ؟ وهل ستنطلي  خديعة حكام العرب من جديد على الشعوب ؟؟

هذا يعتمد على الشعوب الإسلامية والعربية وعلى القيادات السياسية والدينية والثقافية التي هي اليوم في مفترق الطرق .

فاما أن يقف الشعب وكافة القوى السياسية والدينية في كل قطر في وجه الحاكم وترغمه على التخلي عن السلطة حتى يستلم الشعب قياد أمره وبعيد بناء مؤسساته الدستورية من جديد ويقرر مصيره بنفسه ويتحرر من قيود الاستعباد والقهر .. فلم يعد أمامنا مجالا للتناحر والاختلاف والتشرذم .

وإما أن نستسلم للأمر الواقع ونرضى بهذا الذل والهوان وعندئذ نخسر ديننا ودنيانا ونندم حيث لا ينفع الندم ,  وتلحق الجميع لعنة التاريخ   .

فاذا كانت الأنظمة الحالية قد فشلت في الحرب وفشلت  في السلم واوصلت الأمة لهذه الدرجة من القهر والتخلف فماذا ينتظر منها وما الذي تستطيع أن تقدمه بعد اليوم الا المزيد من الهزائم والانتكاسات والدمار .  أن هذه الأنظمة هي لا اسرائيل أو امريكا العقبة الحقيقية أمام انطلاق الأمة وتحررها ورد اعتبارها .