|
|
|
ويلٌ للشجي مِنَ الخليّ "
حول مقال : "الأكاذيب الجلية في كتاب الدولة الأموية"
بقلم: فتحي خليفة عقوب
جمع أكثم بن صيفي إليه قومه من بني تميم في أمر النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته بعد أن بحث الأمر وقلّبه ودرسَه وأرسل ابنه وناقش أهل الحكمة والرأي فيه ثم قال لهم ووعظهم موعظة طويلة بليغة جاء فيها : يا بني تميم لا تحضروني سفيها فإن مَن يسمع يخل، ولكل إنسان رأي في نفسه، وإن السفيه واهنُ الرأي وإنْ كانَ قويَّ البدن ولا خيرَ فيمَن لا عقل له. يا بني تميم كبُرتْ سني ودخلتني ذلة الكبر فإذا رأيتم منى حسنا فأتوه، وإذا أنكرتم منى شيئا فقوموني بالحق أستقم له، إن ابني قد جاءني وقد شافه هذا الرجل فرآه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويأخذ بمحاسن الاخلاق، وينهى عن ملائمها، ويدعوا إلى أن يعبد الله وحده، وتخلع الاوثان ويترك الحلف بالنيران. ويذكر أنه رسول الله، وأن قبله رسلا لهم كتب . وإن أحق الناس بمعاونة محمد ومساعدته على أمره أنتم، فإن يكن الذي يدعو إليه حقا فهو لكم، وإن يك باطلا كنتم أحق من كفّ عنه وستر عليه.. فأصرموا أمركم فإنَّ الصريمة قوة، والاحتياط عجز.
فقال مالك بن نويرة : خرف شيخكم.!!
فما كان من أكثم إلا أن قال: "ويل للشجي من الخلي"!. والله ما عليك أسى ولكن على العامة ثم نادى في قومه فتبعه منهم مائة رجل..[1]. * * * ملاحظات وتنبيهات:
1. ليس المقصود بموضوع العنوان مقال "الأكاذيب الجلية في كتاب الدولة الأموية" بقلم سليمان الشجاع، في الرد على كاتب "الدولة الأموية عوامل الازدهار وتداعيات الانهيار" تأليف الدكتور على محمد الصلابي، ليس مقصوداً بعينه ولكن الظاهرة هي المقصودة.
2. ليس المقصود من تركيز الحديث على المقال المشار إليه آنفاً الرد العلمي المتخصص، فهذا مجال آخر ويتضمن تناول الموضوع من جهتين: مناهج البحث، وعلم الحديث دراية ورواية [2]، والمقال يعاني من الفقر في الناحيتين معاً. وإنما المقصود هنا إبراز نموذج حي من نماذج المنهج الخرقي الذي تناولناه سابقا في الحلقات الأربع من: "بين منطق السفينة ومنهج الخرق"، باعتبار أن مقال الرد المذكور وغيره من ذات المنهج وإن اتخذت أشكالا متعددة وصورا متغايرة لكنها جميعاً ترتبطُ ارتباطاً وثيقاً ومباشراً بالقضية الوطنية إضافةً إلى أنه يَمسُّ رَمْزَاً مِن رموزها بسوء، وهذا الأسلوب الخرقي المُتّبَع مِن قبل البعض في حدِّ ذاته يُعتبر إجهاضاً للدعوة إلى الحوار والالتقاء على العمل بالقواسم المشتركة بين القوى الوطنية على اختلاف أطيافها وألوانها، والذي ينادي به جميع العقلاء كما أزعم وأجزم، وبخاصة لو سكت عنه أو لو وجد آذانا صاغيةً. إضافة لتيئيس الناس من التقاء القوى الوطنية لتحقيق مصالح أو الدعوة إليها والتشكيك في جدية الجهود التي تبذل في هذا الاتجاه بسبب التشتيت والتلفيق والتدليس الذي يُمارس لأغراض شخصية ومصالح غير وطنية ولا شرعية.
3. ليس مقصودٌ بالمقال شخصٌ بعينه ولا صاحب المقال المذكور حتى، إذ ليس من الموضوعية المساس بالأشخاص والهيئات المعينة مهما كانت درجة الاختلاف معهم، وأما ما تضمنه المقال من بعض الأبيات الشعرية فهي استعارات رمزية يؤخذ منها محل الاستشهاد والعهدة فيما وراء ذلك على القائل لا على الناقل ..
* * * أيّها الأخوة الكرام ..
بالأمس القريب كنا نتحدّث عن معالم منهج الخَرْق الأخرق .. ذلك النهج التفجيري الذي يسلكه البعض لأسباب متعددة محصلتها واحدة معلومة سلفاً ولذا لم أكلف نفسي عناء الحديث عن آثار ذلك النهج على مختلف المستويات لعلمي بأن هذا مما لا يخفى على عقلاء هذا الزمان كما لم يخف على عقلاء الأزمنة الغابرة والذين اتفقت كلمتهم على نبذ الخرق وأهله وعلى وجوب الأخذ على أيديهم لأن المسألة مصيرية لا ينبغي السكوت عليها بحال ..
وها قد حان الوقت لأن نرى مثالاً أو قل أمثلةً عمليةًً ضمن سلسلة متصلة ومتواصلة [3] ننتزعه ليس إلا لاكتسابه أهميةً خاصة .. تنبع تلك الأهمية من عدّة جوانب أهمها:
1. أن هذا الخرق يمس شخصية ليبية ذات مكانة خاصة في نفوس الكثيرين، لها سيرتها الطيبة وأعمالها النبيلة إضافة لسجل حافل بالصبر والمجاهدة يعلمه الكثيرون .. وبالتالي فهكذا خروق تغدو قضية وطنية حين يكون المساس برمز من رموز الوطن وشخصية من شخصياته البارزة .. وليسمح لي الأخ الفاضل الشيخ الدكتور الصلابي أن أتمثّل على لسانه قول الشاعر:
2. أنَّ السكوت عن هكذا خروق يفتح المجال لأن تُمسُّ الرموز الوطنية وسيَطَالُ الخرق –بالتالي- الهيئات والأحزاب والجماعات والمؤسسات التي ينتمون إليها أو يعملون من خلالها أويتعاونون معها، وسيتعود لِئَامُ النفوس وذوي الأسقام والعاهات المرَضيّة هذه الأحابيل وتألفُها نفوسُهم ويَصعُبُ – مع مرور الزمن - فطامهم فماذا بقي للعمل الوطني ولمشروع الوطن ولأبناء الوطن المُبتلى بأبنائه قبل أعدائه إذن؟.. وما أسهل بعد ذلك أن يلتقط كل خارق بمخلبه رمزاً وطنياً أيّا كان انتماؤه واتجاهه ويضعه في المشرحة ويجعل نفسه نداً له في سوء أدبٍ وسوء تعبير ظناً منه أن ذلك طريق شهرةٍ أو تحقيق مغنم أو نصرة مذهب إن كان له مذهب .. ولكن حسبنا أن تلك الأصوات وهذه المقالات لا تجاوز تراقي كاتبيها ولن تجد صدى عند غيرهم فترجع تبوء بإثمهم وأما العاملون والمخلصون فيسيرون في طريقهم لا يعبأون بها فتلك سيرتهم وذاك سيرهم الذي اعتادوه، لكنه التشويش وليس إلا ولا اكتراث به:
3. السكوت عن هذا الأسلوب الخرقي وأمثاله يزيد من فتح باب التعالم والتفيقه الذي قد فُتح بل قل كُسِرَ وأصبح العلم مَرتعاً وبخاصة في المسائل الشرعية الدينية أصولا وفروعاً حيث غدتْ ميداناً للمتقوِّلينَ الذين يدّعون المعرفة أو الذين يرون أن العلم باب مفتوح يلجه كل مَن احتاج إلى فتوى ينمق بها كلامه وإن قيلت في ظروف وأزمنة مختلفة، أو يزين كتابته بنصٍّ وإنْ كان منسوخا أومَخصوصا أومُقيداً، ولا بأس بالاستئناس بأقوال البعض من الفقهاء التي شذّتْ أوندّتْ ولا بأس بها راجحةً أومرجوحةً، خاضعة لقوانين الاعتبار أم خارجة عنها، وسواء رجع عنها قائلوها أم لم يرجعوا، بل إنْ أعوزتهم الحيلة للعثور على تلك الأقوال الشاذة أحيانا يختلقون أقوالاً بحكم عقولهم ينسبونها لدين الله .. يقول أحدهم: أنا لا أتقبل أن يكون الأمر هكذا ولا أستسيغ ذاك، ولم أر مانعا من أن يكون الأمر هكذا و..الخ .. بأيِّ ميزان وأيِّ ذوق وأيُّ مَلَكَةٍ تقول هذا يا رائمَ البروز قبل النضوج!.. ومِن أيِّ العقول عقلُك الفذّ؟ وهل هو أذكى وأمكن من عقول الآخرين؟ إذن فليرتع الجميع في مراتع عقولهم وليركبوا خيول أهوائهم وليسبحوا بها كيف شاؤوا ولكن أيُّ عقل سنتبع نحن؟ وأين سنضع عقولنا إذن؟!.. وكيف سيكون الاجتماع واللقاء على أيِّ أساس؟!.. إنه يجب أن لا يكون العبث بدين الله ولا باستخدامه وسيلة إشباع أهواء وأغراض شخصية أو استجابة لضغوط وأمراض نفسية ..
وهكذا قد سئمنا من أساليب البترٍ والقطع والاجتزاء والخلط للمسائل في بعضها والنسج بخيوط من الخيال والإقحام والتشويه والمخالفات الصريحة لقواعد العلم وأصوله التي يقضي منها الحليم العجب أو يموت مِن كَمَدٍ إنْ كان في القلب حياةٌ وغيرة على هذا الدين .. ولكن عزاؤنا أن في مزبلة التاريخ متسع للكثير من هؤلاء وقد عرفتْ الكثير منهم سابقاً فلا بأس بمزيد، وأن هؤلاء ما يفتأ ذكرهم أن يذهب وتذهب آثارهم معهم وأما دين الله فهو باقٍ كالطود العظيم جبلا شامخا لا تضره العوادي، ولهذا فكثير من هؤلاء المتعالمين لا يستحقون حتى الرد عليهم إذ كلامهم ذاته متناقض يحمل بذور فنائه وفناء أصحابه ولا كرامة .. وإن كانوا يعتقدون أنهم ينجحون في خداع الآخرين بما يستجلبونه من مقولات وما يقتبسونه من طلاسم الألفاظ والمعاني، وما يُروِّجُون له من خرافات التيه والأماني التي قد عفى عليها الزمن وأكل عليها الدهر وشرب، وهَزُلتْ واندثرت فيقولون فيها ويتشدّقون بها ظنّاً منهم أنه إبداع! أو تجديد! أو إحياء!.. أو سَمِّهِ ما شئتَ المهم أنه في المحصلة ليس بعلم ولا نسب له به .. وما هو والله إلا فقاعات لا أساس لها ولا مُستند [4]..
لذا كانت سنةُ إهمالُهم قديماً وحديثاً لعدم قيمةٍ في مقولاتهم تستحق ذلك .. ولو أرادو الخير مخلصين لسلكوا مسالكه وانتهجوا مناهجه ولوصلوا وأوصلوا ما أرادوا ولكن "على نفسها جنت براقش" فَوَدْعُهُم كافٍ ليدعَهم النَّاسُ وتندثر رسومُهم وتعفو آثارهم ولا بأس ببعض الوقت يمضي فإن "الوقت جزء من العلاج" !..
أَوَ كُلَّمَا طَنَّ الذّبابُ زجرتُه؟! * إنَّ الذّباب إذاً عليَّ كريمُ!!
4. يزدادُ حرصي على البيان هنا لجزمي بأن الأخ الدكتور الصلابي كما عرفته لن يكلف نفسَه عناءَ ردٍ ولا مُبالاةَ، إذ لا وقت له ولا مساحة في تفكيره حتى لهكذا جدالات استعراضية ومحاولات نزالية في حلائب العلم، إذ العلم كما يراه ويراه أهله ليس كذلك، وكأني به يُسلّي نفسَه في مثل هذه المواقف بقول الشاعر القروي:
كذلك من دواعي مبادرتي هذه - وإن كانت ليست على قدر ما يستحقه الموضوع - كي لا يُظنَّ أن كلام التعالم والعبارات المنسوجة والنقول المُنمّقة في غير محلها تبرر ما تضمنه المقال المذكور من أساليب التنقص والتهكم والاتهام بالدجل والكذب .. أيُّ علمٍ هذا بل أيُّ تعالمٍ ؟!!.. وإن أقبح وجوه التعالم أنْ يتعالم الفاشل الخامل الذي لا بضاعة له يروجها!.. ولذا قيل قديماً: "إذا كنتَ خاملاً فتعلّق بعظيم" إنها سنة قديمة للخاملين.. مَن أراد شهرةً بعد خمول وغمور فإنه يلجأ إلى رجل عظيم أوهيئة معروفة أوجماعة ذات صيت ومكانة عند الناس فينالُ منهم عسى أن يُقال نالَ فلانٌ من فلانٍ أومن قوم كذا !! فيتعلق ذكر الخامل بذكر العالي .. ولكن شتان بين ذكر وذكر .. ولكنه طرازٌ قديم .. نسي أهله المثلَ العربي : "خمول الذكر أجمل من الذكر الذميم". فأيُّ ذكرٍ أن يذكركَ الناسُ بكلامك في الذّم والشّتم والتّكذيب والتّقبيح أو بالبُغض والكَرَاهة والأوصافِ المُسْتَقْبَحَة ؟!!..
ولا أُخفي القارئ الكريم أنها كثيرة الأسباب التي دفعتني لكتابة هذا المقال ومنها الوفاء للأخ الكريم والزميل العزيز والأستاذ المُجِدّ الدكتور محمد علي الصلابي .. وليس خروجا عن الموضوعية ولكنها النصرة الواجبة والولاية الصادقة أرجو أن يكون لي بها قرب إلى الله تعالى أن أسطِّرَ كلمات في الدفاع عمَّن أعتبره قدوةً حسنةً لجيله ومَن بعدهم، مَن عرفتُه وعَرَفَه الكثيرون غيري صبراً وثباتاً وقوةً واندفاعاً في الحق لا يَخَافُ لومةَ لائِمٍ ولا يُثنيه ركوبُ صعبٍ ولا تَستدرجه لذائذُ الدنيا .. عرفته بالقرآن ليبيا في مساجدها وسجونها، وفي مدارسها وجامعاتها، وسَجَّل تاريخُ صحوتِها اسمَه ولن يُمْحَ مهما عبثتْ أيدي الآثمين ومهما تطاولت أقلام الخرق .. لقد رفع اسمَ الوطن عالياً وكان مفخرة لليبيين جميعاً حين بَزَّ أقرانَه وفاقَ زملاءَه جِدّاً وتحصيلاً، لقد كان طوال فترة دراسته وتعلمه وتعليمه وتأليفه قدوةً للجميع طلاباً وأساتذةً سمعت منهم بنفسي ورأيتُ حالَهم معه، ضَرَبَ المَثَلَ الرائِعَ للشّخصيَة المُتزنة المُعتدلة التي تتّصل بالجميع وتتواصل معهم، دائم الاستعداد للتعاون .. ترى فيه براءة الطفولة مع هبّة الشباب وحكمة الشيوخ، في نزاهة العالم مع عفةٍ في اللسان نادرة، وطهارةٍ في الوجدان عزيزة.
ما كان قصدي المدح والثناء على الأخ الكريم الصلابي، فليس هذا مجال المقال وإنْ كان أهلاً لذلك وأكثر منه، لكني أعرف أنه أغنى عن المدح من غيره، ولا أريد أن أُرخي العنان للقلم كي لا يند عن المقصد، ولكني أردتُ أن يعلم المخلصون علم اليقين أن هكذا مناهج خرقيّة ينبغي ألا تجد لها محلاً بيننا إن كنا صادقين في الوصول بسفينة الوطن إلى شاطئ النجاة والسلامة ..
فأيُّ سلامة تُرجى من وراء الطعن والتجريح والتدجيل والتكذيب والتسفيه والتحقير .. كلها كلمات سامة أظنها ما اجتمعت في شخص - كما فعل صاحب المقال – إلا كان آفة مُعديةً أشد خطرا وفتكاً مِن كل أمراض الدنيا وآفاتها .. أفلا يستنكر قلب المؤمن ولسانه مثل هذه العبارات ؟!.. أم أن أصحابها حين يجاهرون بحقدهم وبغضهم لشركاء الوطن وأهله .. هل يظن أولئك فعلهم ذاك فروسيةً ورجولةً وبأساً وقوة وصلابة ؟!!..
يا لها مِن بليّةٍ حقّاً حين تنقلبُ المعايير ويُصبح الحقُّ باطلاً والباطلُ حقاً .. وحينما تفقد الكلمات ما وُضعتْ له في لغة الناس من معانٍ أو حين تُستعمل في غير مستحقها، فيصبح التعامل لا على أساس المعايير والقوالب اللغوية المعهودة ولكن على أساس الأهواء والأمراض والأحقاد الدفينة والمرجعيات العقيمة في بلادة إيمانية عجيبة لا تنكر منكرا ولا تعرف معروفاً .. نجد الواحد ممن ابُتلي بهكذا آفات يصرح في وقاحة ببغضه لأهل الخير وكرهه لهم بل ويرميهم بالنفاق والدجل والكذب!!.. ألا يوجد في تلك الأبدان قلوب؟ أوَ لا تعرف تلك القلوب حياء أو مرؤةً أو دينا أو عرفا أو خلقا أو..؟؟!!.. ولكن كان المصطفى عليه الصلاة والسلام قد علمنا وأرشدنا بأكمل تعليم وأتم إرشاد إلى قاعدة الحياء التي تحفظ الحدود وتقيم العلاقات على أساسها .. بعيدا عن الفجور والغرور واللمز والغمز .. وبدونها لا استمرار لحياة الإنسان بحال .. إنها قاعدة الحياة تلك القاعدة التي توارثها الناس من كلام النبوة الأولى وجاء محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ليؤكّد عليها لأنه إنما بُعث ليتمم صالح الأخلاق ومكارمها فعلّم أصحابه الذوق الرفيع والأدب الجم في التعامل الذي يبني المم والمجتمعات ويوثق الروابط الأخوية ويحقق التكافل والتكامل فقال لهم: إنَّ مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى : "إذا لم تستح فاصنع ما شئتَ". رواه البخاري
في الختام أشير إلى أني كتبت هذه الكلمات للدواعي السابق ذكرها وليس بقصد الرد على المقال المذكور بعينه .. وأما الرد العلمي المتخصص فله مجاله وعلى القارئ الكريم أن يرجع إلى كتاب الشيخ الدكتور الصلابي ليرى بنفسه ما قاله مؤلفه أولا، وليعلم أن العديد من العلماء المتخصصين في التاريخ والسيرة قد اطلعوا على كتب الدكتور الصلابي وشهدوا لها إجمالاً - وتفصيلاً أحياناً - بالنفع والجودة، وشهادتهم مُسجّلةٌ مدوّنة معروفة .. وهذا كله لا يعني العصمة، لأنها لم تثبت لأحد ولكن الخطأ إنْ وجد ليس هكذا علاجه أو تصحيحه!.. فربما يكون لدى الإنسان من الخطأ اليسير يكفيه تصويب وبيان وتنبيه ولكن عدم سلوك الطريق الصحيح لذلك يفسد القضية ويقلب السحر على الساحر..
وأقول ناصحاً مشفقاً للفارغين الخليّين مهما كان ظاهرهم ومهما تستروا به من أستار ابحثوا لكم عن سوق آخر وبضاعة أخرى فيها نفعكم وصلاح أمركم .. عودوا إلى أسركم وأهليكم واجتهدوا في مصلحتهم ثم تعاونوا مع القائمين على الخير الذين تعلمون حسن قصدهم وصدق غايتهم أهل الطهارة والعفة .. أما الليبيون فقد خرجوا من معتقل كهوف الأسر السوداء المظلمة .. وقد انتبهوا وشبّوا عن الطوق .. بل كبُروا كثيراً وتداعت مفاصل وعيهم وثقافتهم .. وصاروا شعباً عَصيّاً على العواصف المصطنعة والحقيقية التي كانت متلفعةً بجلباب أغطشه الظلام .. لقد شبّوا عن الطوق ولم تعد هكذا ترهات تستوقفهم، أما أنتم فقد غرّتكُم الأماني والفراغ فاستغللتم فراغات الشبكة ونصبتم شباككم .. ولكن أني لخيوط العنكبوت أن تصيد الليوث، وأنى لقوافل الرواحل أن تَستوقفها الحشرات . فابحثوا لكم عن غيرها .. واحرصوا على ما فيه مصلحتكم . وإلا فالزمن كفيل بالقضاء على ما سكنكم من آفات .. نرجو لكم عودا حميداً وفيئاً قريباً .. ولا داعي لخوض المزيد من التجارب فلم يبق فسحة للكثير منها .. فادخروا اوقاتكم وأوقات إخوانكم واحفظوا حقوقهم وكونوا قوامين بالقسط ولا يغلبنكم الشنئان فذلك منهج الشيطان وتلك استدراجاته اللانهائية ..
والله تعالى نسأل التوفيق والسداد . وأن يُنقي قلوبنا وألسنتنا وعقولنا مِن لوثات الجاهلية وأخلاقها وأن يأخذ بأيدينا إلى سلوك الطريق الواضح والنهج الصحيح بعيداً عن المزيد من التمزيق والتفجير والخرق والحرق للسفينة الوطن ولرموزها ورجالها .
والسلام عليكم ..
فتحي خليفة محمد عقوب
[1]-الخَليّ: الخالي من الهم والحزن خلاف الشجي المليء بما يشغل فكره ووقته ولا ينقصه لوم الخلي وذمه أوأذاه. والمثل معروف والمعني أني في همٍّ عظيم لهذا الأمر الذي أدعوكم إليه وأنتم فارغون غافلون فويلٌ لي منكم. كنايةً عن شدة الحزن والأسى لبعد الفارق بين الحقيقة أوالمأمول وبين واقع الناس وممارستهم العملية .. وهذه القصة ذكرها صاحب كتاب كمال الدين وتمام النعمة .. والمثل مشهور معروف ذكره صاحب فصل المقال في شرح كتاب الأمثال للبكري (395)، وابن قتيبة في عيون الأخبار (4/133).
[2]- أغلب ما تضمنه المقال المشار إليه مقتبس من أقوال ورسائل أنصار المذهب الشيعي والمتأثرين به من الحاقدين على بني أمية عامة وسيدنا معاوية بن أبي سفيان بخاصة رضي الله عنه وإليك مثال بسيط يدل على ما وراءه ألا وهو حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "اذهب وادع لي معاوية .. قال : فجئتُ فقلتُ هو يأكل .. قال: ثم قال لي : اذهب فادع لي معاوية . قال : فجئت فقلت : هو يأكل، فقال : لا اشبع الله بطنه":
1) الحديث يؤكد صحبة معاوية ومادام صحابيا فهو داخل في عموم أحاديث فضائل الصحابة العامة : "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" ونحوها. وبخاصة أنه من كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2) ليس في الحديث دليل أن ابن عباس – وقد كان طفلاً آنذاكَ – قد أخبر معاوية بأن رسول الله يريده، بل ظاهره صريح أنه شاهده يأكل فعاد ليخبر رسول الله بما رأى، فأين سبب الذم؟ وهل مجرد الأكل صار عيبا يُذمّ؟!..
3) سمو أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعقل أن يبتدر بالدعاء على معاوية (بالجوع) من دون سبب يستوجب ذلك, فالظاهر في الحديث هو الدعاء لمعاوية "فلا أشبع الله بطنك" كما فهم علماء ال |