الصفحة الرئيسية

   

الصفحة الرئيسية

      

لـيـــبــيا الجــــديـــد ة

 

 

 


 

وهل يموت الوطن؟
بقلم بوخزام العناني
<
من لخطب اليوم فينا ؟ من لغد ؟ مات ذا العزمة والرأي الأسد
<!
منذ أن علمت بخبر وفاة المرحوم حسين بي مازق وأنا أتصارع مع نازع في نفسي، وواعز من ضميري وقلبي- هذا فضلا عن الحزن العميق الذي ألمّ بي، وكأنه جرح ماكن في القلب لايكف نزيفه– أتصارع مع نازع يقول لي أنّك لست ممن يمتطي صهوة المديح، والتعديد لصفات الأموات كسبا لاعتبار أو حظوة لدى أهل المتوفى وذويه، وواعز- من جانب آخر- يقول لي إنّ حسين بي مِلْك لوطن ولشعب، أهله ليبيا من أقصاها الى أقصاها.. إنّ أهله الوطن، بل هو الوطن كله، لولا أنّ الوطن لايموت.. ويستمر هذا الوازع يتابعني ويلح عليّ قائلا: أنت لا تعرف المرحوم الأستاذ حسين مازق.. لم تلتق به.. ولم تستقضه.. ولم ولن تكن لك فيه مصلحة.. ولم تربطك به قرابة أو مصاهرة.. وانتماؤك لليبيا الوطن كلها، يلزمك بواجب حيال هذا الرجل العظيم.. فلماذا هذا التردد؟ ولماذا هذا التخوف من أقوال الناس اذا كنت تنتمي حقيقة الى ليبيا وتحبها؟ خاصة وأنّ الليبيين في هذا العصر لايعرفون لرجالهم قدرا، ولا يذكرون لقادتهم فضلا.. لم تفارقني هذه الحالة على مدى الأيام الماضية، ولم تنفك تعصف بي وتستبد حتى وجدت نفسي- دونما أدري- أكتب هذه الأسطر.
<!--->
كما أسلفت؛ لم التق بالسيد حسين مازق مباشرة بشخصه، ولم أجالسه، ولكن رأيته عن بعد مرارا عديدة في طرابلس وبنغازي، فلم أتكلف جهد تحيته والسلام عليه، رغم أنّ هذا الأمر واجب تجاه شخص بمقدار المرحوم حسين بي، خاصة وأنّي أكن له حبا جما، واحتراما غير محدود.. وعذري لنفسي في هذا التقصير أنّني أردت أن لا يساء فهمي من شخص لايعرفني- ربما يعتقد خلاف ما توخيت من هذه التحية دون معرفة سابقة- هذا رغم يقيني المطلق من تأدب المرحوم حسين مازق، ومروءته وأريحيته وكرم خلقه، ولكن هذا ما قدر الله.
>
قد تعرفت على العديد من الشخصيّات، الذين عرفوا وعاشروا المرحوم حسين مازق، في سني شبابه ورجولته وشيخوخته، وكان ذلك على مدى الأربعين سنة الماضية.. سمعت من هؤلاء الرجال الكثير حول مناقب هذا الرجل وخلاله، وقدراته وخبرته وكفاءته وانضباطه ومعشره، وصبره العظيم على الاستماع إلى الآخر، واحترامه لأهل وطنه ورجالاته، وفوق ذلك كلة ليبيّته ووطنيته.. مما زاد وقار هذا الرجل في نفسي، ومحبته في وجدانى، وثبات ورسوخ ذكراه في خاطري.
 
رأيت حسين بي أول مرة مباشرة بميدان السرايا الحمراء بطرابلس وأنا في مقتبل الصبا يوم 24 ديسمبر عيد الاستقلال منتصف ستينات القرن الماضي.. بدا حسين بي ذلك اليوم متألقا، أغرّ المحيّا ناصع الجبين، أشمّ الأنف، فائق الأناقة، وقور يجسد هيبة المسؤوليّة العامة في تواضع جم، وحياء يعبر عن حلم كبير، وعقل راجح ورجولة نادرة.
<->
ارتسمت تلك الصورة في الذاكرة له كشخص أكنّ له تقديرا واحتراما باعتباره من أعيان الوطن وقادته. وتجلت عظمة شخصيّة حسين مازق- لي و للقاصي والداني جلاء باهرا- في ما سمي بمحكمة الشعب.. بحضوره الذي تفرّد به وحده، وما كان لمن عداه ممن واجهوا- تلك المحكمة- أن يكون.. فبرز حسين مازق كبيرا شامخا رصينا ثابتا سديد الخطاب، واثق الكلمة، حتى أضحت ما سمي بمحكمة الشعب- بما فيها من قضاة وادعاء وحضور- أمام شخصه الكبير كأنهم ذرة أمام جبل عظيم .. فشفى بموقفه في تلك المحاكمة قلوب مكلومة، وانفس حزينة، وأوجد في خواطر الليبيين شعورا بالعزة والكرامة تجاه غطرسة ونزق صغار العسكر الموتورين المغرر بهم.. ومن ذلك التاريخ  وقر في نفسي برسوخ أن حسين بي شخصية فذة في هذا الوطن المسمى ليبيا.. بل زعامة ليس لها نظير.. وركيزة مهمة من ركائز ليبيا الوطن الجريح.
<
بعد خروج حسين بي من سجن الانقلاب؛ استقر في بنغازي ورأيته عن قرب في عدة محاضرات ومناسبات.. كنت أتأمل وجهه بإمعان فرأيته بنفس الهيئة التي كان عليها عندما كان واقفا بالمنصة يلقي كلمته كرئيس حكومة يوم الاستقلال فقلت في نفسي– آنذاك- أن هذا الرجل يضفي على المنصب من شخصيته، ولا يفقده ترك المنصب شيئا من سماته ووقاره وهيبته.. يستوى أن يكون في أعلى سدة الحكم، أو مواطنا مظلوما مسلوب الحقوق كعامة الشعب.. فالمعدن النفيس لاتبدّله أحوال الطبيعة وتقلبات الزمن.
<!
وأنا أكتب هذه السطور دخل عليّ أحد المعارف، وقراء ماكتبت فبادرني بالقول ان لسان حالنا في مصاب حسين بي كحال الخنساء عندما قالت :-
وما يبكون مثل أخي ولكن     أعزي النفس عنه بالتأسي
<!-
إنّ كلّ ما يقال في حق هذا الرجل قليل وقليل جدا، ومعه كلّ الحق في ذلك، فالفقيد رجل ليس ككل الرجال، رجل يعزى فيه كل الوطن.
->
أجل معه كلّ الحق أيها الفقيد العزيز .. صحيح انتقلت الى جوار ربك – محفوفا بالرحمة والمغفرة والرضوان إنّ شاء الله – وقد قاربت على نهاية العقد التاسع من عمرك المبارك، وهذه سنة الله في خلقه لامبدل لها ولامغيّر، وربّما لم يكن الحدث في حد ذاته مفاجئا لأحد، غير أنّه بعد حدوثه أبان أنّ فقدان رجل مثلك ليس كفقدان غيره حتى ولو بلغ من الهرم والعجز مابلغت.
<!--
خرجت من هذه الدنيا أيها الفقيد العزيز، ولم تنحن لصنم من أجل حفنة من المال، أوقضاء حاجة دنيويّة زائلة، ولم تدفع ببنيك ليتملقوا الحاكمين أو ينتظروا أمام أبوابهم في صغار وذلة.. كنت عزيزا بعفتك وزهدك، وكان غناك بعزمك وصبرك بين الناس، وحتى بين أفراد أسرتك في داخل بيتك.. عرفت أنّها دنيا زائلة  فهزأت بها، ولم تلها أكثر مما تستحق، عايشتها بصمتك المحمود، وصبرك الذي لاينفد ويقينك الراسخ. ولاعجب؛ في ذلك فأنت من إخوان السنوسيّة الأبرار الأطهار الذين يصدق عليهم قول الشاعر:-
<!--[if
إنّ لله رجال فطنة   
طلّقوا الدنيا وباعوا الفتنا
نظروا فيها فلمّا عرفوا
أنّها ليست لحي سكنا
جعلوها لجّة واتخذوا
صالح الأعمال فيها سفنا
<!--[i
لقد رحلت أيها الفقيد العزيز وليبيانا أحوج ما تكون لعزمك وعقلك وحكمتك..
رحلت عنّا أيها الفقيد العزيز وقد أشتد علينا وعلى بلادنا البلاء والكرب والجور والظلم والطغيان، وسدت آفاق الأمل، وليس لها من دون الله كاشفة.
<-->
رحلت عنا يا أبا فتح *.. وقد فرقتنا السبل.. وتاهت بنا الدروب.. وطال بنا السفر.. وعزّ الرجال – أمثالك - الذين يجمعون الشمل، ويلمون الشعث، وتذوب في أحلامهم المواجع من أجل بلادهم وشعبهم.
>
رحلت عنا يا أبا فتح.. وليبيانا تعاني وتتوجع من عقوق أبنائها، وتقاعسهم عن الواجب حيالها، وتيههم وراء أهوائهم، والوطن يحتضر ويتلاشى يوما بعد يوم، وما من فحل أوفارس يقدح شرارة أو عاقل يخرج برأي سديد.
 
رحلت عنا يا أبا فتح.. وقوى الدنيا تتكالب علينا جشعا ونهما وطمعا في خيرات بلادنا، وثمن تنعّم تلك القوى بخيراتنا ونفطنا؛ معانات شعبنا وآلامة وعوزه وحرمانه وإذلاله، على أيدي من باعوا البلاد بمن فيها ومافيها من اجل ملء  بطون لاتشبع من حرام، وأهواء لاتكبح عن غي.
 
رحلت عنا يا أبا فتح.. وقد استبيحت في ليبيانا مكارم الأخلاق، وانتهكت الحرمات، وقلة المرؤة بيننا وذهب العرف والفضل ودمّرت القيم الرفيعة والاخلاق النبيلة التي كانت هي شمائلك وخلالك طول حياتك ، وكانت تلك هي عوائد أهلنا ودرائبهم الليبية الأصيلة.
عندما يرحل أمثالك يا أبا فتح.. يجزع المرء أيّما جزع على فقدان تلك القيم والأخلاق الكريمة، والخلال النبيلة التى عزّ كثيرا من يتحلون بها ويتصفون.
<
عندما يرحل أمثالك يا أبا فتح .. يخشى المرء من أن بغياب ذلك الجيل تغيب كلّ القيّم الرفيعة، والمعاني الرائعة التي كانت تطبع مجتمعنا الليبي ونراها تدمّر كل يوم.
<!-->
عندما ترحل يا أبا فتح.. يعني رحيلك رحيل جيل من الإباء العظام، الذين حققوا الاستقلال، وأسسوا الحكم، وبنوا الدولة الليبيّة من عدم. وكانوا غاية في النزاهة والنبل وحسن التدبير قياسا بكل من عاصرهم من حكام العرب والمسلمين على الأقل.
]--
كنا نؤمل يا أبا فتح أن يتحقق مانصبوا إلية من نصر، ويفرج الكرب، وينجلي الغم، وتعود إلى ليبيانا الحبيبة عافيتها وسلامتها، وتكون معنا في ذلك اليوم بعافية وسلامة، وتكرّم بأفضل ما يليق بك من التكريم والتبجيل والثناء والعرفان.. ولكن هذه مشيئة المولى،  فجوار الله خير، جعله الله مقاما بالفردوس في أعلى عليين.. ونعم بالله وما عند الله خير وأبقى.
<!->
لاتؤاخذني يا أبا فتح في كل ما قد قلت، فيحق على أمثالك الحزن والجزع.. رغم أنني مؤمن بقدر الله، ومسلّم بما يشاء، ولي في رسول الله أسوة حسنة، العين تدمع والقلب يوجع وإنّا لفراقك أيها الفقيد العزيز على ليبيا وأهلها لمحزونون ولن أقول إلا ما يرضي الله، إنّا لله وإنّا إلية راحعون.
<!
لقد أظهر نباء انتقالك الى الرفيق الأعلى لمن لايعرفك حب الناس لك وأنت لاسلطة لك ولامال، وحب الناس من حب الله.. نضرع إلى المولى أن يجعل قبولك عنده أكبر، وأعظم، وأن يسبغ عليك أفياضا عميمة من رحمته، ويجزيك عن ليبيا وأهلها خير الجزاء، ويجعل عاقبتك فينا وعلى بلادنا خيرا وفرجا وفتحا قريبين.
<!--[if
وختاما أيها الراحل العزيز إلى رحاب قدس الأقداس، وأعلى مقام بجنان الرضوان محفوفا بملائكة الرحمة.. أودّعك بخير ما ردّده أسلافك إخوان السنوسيّة الأبرار ( لا إله إلا الله محمّد رسول الله في كلّ لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله)
<!--[if>
 بوخزام  العناني  
 17/50/2006  مزدة ليبيا
bukhzamanani@yahoo.com
-------------------------------------------------------------------------------
* استعملت كنية أبي فتح في مخاطبة المرحوم نسبة الى المناضلة الصبورة، والتربوية العتيدة، والزوجة الوفية الأستاذة فتحية حسين مازق، حرم المناضل المرحوم الأستاذ عبد المولى دغمان، صاحب الجهود الكبيرة في إنشاء الجامعة الليبية وتطويرها، وقد كني الفاروق عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- بأبي حفص مع أنّه أب لعدة أبناء منهم الصحابي الجليل عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما-، وهذا قدر من احترام وتقدير شخصي مني لهذه السيدة ومواقفها الكبيرة .مع اعتذاري للسيد نجيب حسين مازق.
<!--[