رسائل إلي الداخل 5 .. السياحة والاستثمار والسياسة !
لعل مشروع إنشاء خمس قري سياحية في بلادنا الحبيبة
يتمشي مع تطلعات ورغبات الشعب الليبي في ضرورة التفكير الجاد في
إيجاد مصدر ثاني للدخل القومي مما سيؤمن إلي حد ما احتياجات
الأجيال الجديدة القادمة والمحافظ علي احتياطات النفط ، يؤمن قليلا
من الاستهلاك لنفطنا الذي حرمنا منه لثلاثة عقود.... ولكن السؤال
ماذا يمكن أن نقدم للسواح عربا أو عجما ؟
ولست ضد المشاريع السياحية كوسيلة ليس فقط كمصدر
دخل وطني ثاني ، ولكن لا اعرف مستوي الخدمات والأداء الوظيفي
والإداري في المطارات والمواني ومخافر الحدود في بلادي الحبيبة
ونأمل أن تكون ذات مستوي متناسب مع تطورات العصر ومجهزة بوسائل
الراحة والمعلومات الكافية للمسافرين والزائرين ، موظفين يجيدون
اللغات الحية علي الأقل الانجليزية والفرنسية ، وبعدين شوية
افريقية ، إجادة فنون الإدارة والاستقبال ، وحسن الاتصال والحديث ،
واهم شئ للزوار شعب يجيد الابتسامة العذبة ، الوجه الفرح الطلق الم
تعلم أن ذلكم من صنائع المعروف وكسب الأجر أن تلقي أخاك بوجه طلق .
فإذا أريد بناء خمس قري سياحية ليتوفر للسائح كل
وسائل الراحة والترفيهية ومستوي عال من الخدمات ومن فنادق فاخرة
وحدائق خلابة وحمامات سباحة ثم المطاعم والمقاهي والمراقص الليلية
وتوفير المشروبات الروحية كما يحلو تسميتها في عالم السياسية
الميكيافلية والاستفادة أو تطويع الفتاوي التي أصدرها بعض من علماء
السطان بجواز توفير الخمور للزوار الأجانب ، فقط بحجة الضرورة
الاقتصادية وجذب السواح فوقعن مثل مصر العزيزة في متاهات وإعمال
شغب وردود فعل غاضبة ومستنكرة للفتوى ثم العمليات الإرهابية التي
حصدت المئات من أرواح السواح عربا وعجما علي مر السنوات العشرة
الماضية علي وجه الخصوص ... فهل فكر الأخوة المسئولين بذلك ؟
هل
سيرضي المسئولين بفتح الشواطئ الليبية الجميلة والفنادق للزوار
الأجانب يتلذذون بأجواء بلادنا الدافئة وشمسها ونجومها اللامعة
ولياليها الساحرة بان يقدم يوما
ما
لا سمح الله شاب ليبي يرتدي زيا شعبيا ، يقدم عصير برتقال أو علبة
بيرة لسيدة أجنبية تفتح فخذيها عارية من كل شئ ، كما شاهدتها بأم
عيني في بعض البلاد العربية ، نوادي وشوا طي للعراة ، بؤر مظلمة
سوداء قائمة علي أطراف العاصمة يفعل ويمارس فيها كل ما يخطر علي
بالك من منكر ونكير فهل هذه السياحة ؟
ماذا ستقدم دائرة السياحة للزوار ؟
لقد أتاحت لنا الفرصة في مطلع السبعينات قبل
مغادرتي بلادي الحبيبة عام1975م ، أن ازور مدنها وقراها ونجوعها ،
وبواديها من طبرق شرقا حتى ازوارة غربا ، وبعض من قري الجنوب ..
فماذا تجد من المعالم التاريخية سواء الأثرية أو الثقافية لتقدم
للسياح ؟
جزء كبير من تاريخنا الناصح ، خاصة تاريخ الحركة
السنوسية قد انطفأت جذوته ، وأزيلت معالمة ، ولست ادري ما مدي ما
يعرفه أبناء الليبية علي هذه الحركة السنوسية المباركة ، ومشاعلها
النورية والخيرية ، وزاويا الجهاد وطلب العلم ، وتعلم الحرف
الصناعية ، وفنون التجارة بما يسمو بالحياة روحا ، وعقلا وفكرا
وتدبرا ، صفاء روحيا عبقا وصفحات جهادية وضاء ، حملت مشاعل الحرية
والضرب والسعي والتحرر من رقبة الجهل والتخلف والمبادرة بالعمل
والكد والبحث .. أين الزوايا السنوسية في البيضاء أو في الجغبوب ؟
لماذا نسف ضريح الإمام السنوسي وأزيلت كل معالمه التاريخية ؟
ولكنها لم تمحي و تزول من القلوب والذكريات الواجب علي أجدادنا ومن
عاصروا حقبتها التاريخية ، أن يحافظوا علي وقودها ليوم مشرق جديد
قادم ؟ أين الجامعة الإسلامية في البيضاء التي أنشئها الملك إدريس
لتكون منارا علميا للدعوة والجهاد ، مواصلا مسيرة جده في نشر العلم
والجهاد والدعوة التي لا ينضب معينها ، ولا تخبو جذوه شراراتها ،
وصدق وحرارة وتوهج مصادرها وغاياتها ؟
أين ضريح شيخ المجاهدين عمر المختار ، ذلكم الضريح
الذي استمدت طلائع الانقلاب العسكري من ذكراه أول خطبه عسكرية ، أو
لعلها خدعة ماكرة لأول البيانات المزورة ؟
كان ضريح شيخنا عمر المختار تذكارا ، ورمزا يعطي
جرعات يومية للجهاد المبارك للإباء والأجداد فكانت الغيرة ، وأزيل
الضريح فرحمة الله عليك سيدي عمر ، أين القوس الفاصل بين برقة
وطرابلس حقيقة نسيت من بناه ، ولماذا فكان نقطة تلاقي إقليمية علي
الأقل ، فهل تحققت الوحدة الوطنية أو العربية الخطوة الأولي لأي
مشروع وحدة إسلامية ، أو حتى افريقية ؟!
فماذا ستقدم المدن السياحية أو المشاريع السياحية
برمتها ؟
أثار المخلفات الحجرية للغزوات الفينيقية أو
الإغريقية والاستيلاء علي أخصب الأراضي الليبية وبناء المدن الخمسة
شرقا ، أو المدن الثلاثة الرومانية غربا ؟ لا تستعجل لست عدوا
للآثار والتماثيل ، ولكن تفكر معي بتجرد ، ما هي الآثار ، وما هي
قيمتها الإنسانية والأدبية ؟ وما هي القيم والمبادئ التي يمكن أن
تضيف للحضارة الإنسانية أي معني أو صفاء أو دفع للإمام ؟ مشارح
رائعة بدون شك !! ولكنها كانت ملهي كبير للمتعة وممارسة اللذة
والشهوة الإنسانية المرة. شهوة الفتك بالعبيد وإذلال الشعوب ، شهوة
الابتهاج بإهدار وسفك الدماء ؟ بنهش الحيوانات المتوحشة من الأسود
الجائعة والنمور للمعذبين الأسري من العبيد ، وقد يكون من أهالينا
الليبيين حظا اسود منهم ؟ حلبات المصارعة ، أو تماثيل الإلحاد
وتعدد الإلهة وكما تعرف ....هذه المعاني مجتمعة وغيرها الكثير قد
صورتها وجسدتها روح الاستكبار والطغيان في الآثار الفرعونية
المصرية بتعدد الإلهة ومدي الاستهتار بروح النفس البشرية ، ثم صرخة
فرعون العالية وهي يعلنها بكل صفاقة واستهتار ... بعد أن هيمن علي
حكم مصر وأنهارها وأطفالها ورجاله "" أنا ربـــكم الاعلي .
أو هل تقدم ليالي الفن والغناء والرقص الشعبي وهز
الوسط للراقصات الليبيات ، في غدامس وغات وواحات الجنوب ، أو حفلات
العشاء للضيوف من رؤساء العالم ! ؟
لماذا لا يكـــون الاستثمـــار الصحيح للرفع بمستوي
الشعب الليبي حضاريا واقتصاديا وإداريا وسياسيا وإعلاميا و . , ؟ّّ
لماذا لا تكون برنامج أو حملة إجبارية لمحـــو الأمية والقضاء
عليها إلي الأبد ؟
لماذا لو استثمر جزء يسير فقط من البلايين من
الدولارات وشن حملة محو الأمية بحيث يستطيع كل ليبي في خلال ستة
أشهر أو سنة يقرأ ويكتب وينمي ثقافته ويزيد في فكره ويعرف حقوقه
ويقوم فرحا بواجباته ، يكون مصدر عطاء ، مصدر تنمية مصدر تربية
وتعبئة ، مصدر روحي وإيماني يعرف واجباته دينا ودنيا ، يخرج من
ظلمات الجهل وسجين الظلام ؟
لو تفرغ فقط طلبة الثانوية العامة وطلبة الجامعات
لمدة ستة أشهر أو عام مع منحهم مبلغ ثلاثة ألف دولار كتحفيز
وكتعويض للتفرغ ، وإنهاء وأداء المهمة القيمة ، فتصور أمهاتنا
وخالتنا وعماتنا يمكن لهم أن يقرءوا قرانا أو جريدة أو كتابا
صباحا أو قبيل المنام ؟؟ لعلك تقول خرف سيدي حمد ... لكن لو أرادت
الحكومة أن تعمل وتنير الظلمات لفعلت فهل تفعل ؟
لو
أرادت الحكومة ، ومؤسساتها الشعبية والاستخباراتية لي إحداث تحول
إصلاحي حقيقي في مناحي الحياة كلها لفعلت ؟ لو أراد النظام الضرب
من حديد علي من تثبت إدانته من اللجان الثورية الذين يعرفهم ممن
خذلوا شعبنا الليبي ، واستهتروا بقيمه وتراثه وعقيدته ، واستأثروا
لأنفسهم وذويهم بالملايين من الدولارات والمشاريع والعمولات والرشا
وات ، وتقديمهم للعدالة وللقصاص العادل ، إن وجد قانون ، فذلك
مشروع سياحي جديد ؟! لو أراد النظام الانكفاء إلي بيتنا الليبي ،
خاصة بعد الاعتراف بالفشل الثوري والبدء في إحداث تحول سياسي
واقتصادي واجتماعي حقيقي تسود فيه الديمقراطية ألحقه ، وتحترم فيه
أدمية الإنسان وكرامته ، ويقف الجميع إمام القانون والي مرجعية
دستورية يقرها شعبنا الكريم لفـــــعل؟
,
لو أراد النظام الاعتراف بالطرف الأخر في اللعبة السياسية ،
واحترام التعدد والاختلاف والتباين في توجهات الناس وأفكارهم
ووجهات نظرهم ورؤيتهم للأشياء والحقائق ، واستثمار هذه الكفاءات ،
وسنن المتغيرات ، ووعي لأصوات ومطالب المعارضة الداخلية والخارجية
، والاعتراف بوجودها ، وحتى ضرورة وجودها بما يحقق دعائم مقاولات
سلطة الشعب وحقهم في حرية التعبير وإبداء الرأي ، والسفر والعمل
لفعل !! لو أراد النظام شن حملة استئصاليه للإعلام الماجن الذي
يسبح بحمده ويخدر شعبنا ويغيب عقله ويشل إرادته الفكرية والثقافية
، ويرسخ ويبث ثقافة اليأس والخنوع والحرمان ، ولو ولو ! ولو.. ولو
! فهل يمكن أن يقدم علي ذلك ؟
لا أود التعليق علي عودة العلاقات الدبلوماسية بين
أمريكا وبلادنا الحبيبة وتحليلها وإعطاؤها زخم ابعد مما طرحه بعض
الاحبه الكتاب والمراقبين السياسيين ، فنحن ابتدءا نبارك ونحي
ونشجع أي تقارب حقيقي وعملي بين الشعوب كلها ، وتدعو للمساهمة
الحضارية في تبادل كل وسائل الرقي الحضاري العمراني والصناعي
والثقافي والاقتصادي وممارسات الديمقراطية وحقوق الإنسان ، والتعرف
والتصاهر، والتعاون التقني والعلمي ، وسبل التطور والتنمية، وتحقيق
صور العــدل والانحياز إلي مصالح الشعوب المشتركة دون إفراط أو
تفريط ، واحترام خصوصيات الشعوب دون أن يمس ثوابت وخصائص البيئة
والمواريث والمعتقدات .
أن شعبنا الليبي أمام مسئولية تاريخية خطيرة اتجاه
هذه المشاريع السياحية ، أو غيرها من المشاريع أي كانت ومدي ما
يمكن أن تضمنه من استقرار بعيدا عن موجات العنف والإرهاب مما قد
يحدث سنوات في الطريق ، ولابد للنظر للسياحة بمنظارها الحقيقي
الجميل المشرق ، وفؤادها وغاياتها الأساسية سواء كانت الاقتصادية
والاجتماعية والترفيهية والإعلامية والسياسية ، ولا دعاية وبهرجة
سياسية لتقديس قيادة أو فكر معوج أو نظرية وهرطقيات ثبت أنها لم
ولن تسمن ولن تغني من جوع وحرمان ، وتمنع الفساد المستشري ،
واضمحلال الأخلاق.