الصفحة الرئيسية

   

الصفحة الرئيسية

      

لـيـــبــيا الجــــديـــد ة

 

 

 

 

 

 


رسائل إلي الداخل...3 الســـياحة ... والاستثمـــار.. و . و .
 
حببت السياحة منذ كنت فتي صغيرا ، عندما جندت للحركة الكشفية الأبية الزاهرة في أواخر الستينات ومطلع السبعينات ، وطلب مني عشية الأربعاء لحضور أول مخيم كشفي في القوا رشة ، يمتد من عصر الخميس إلي مساء الجمعة ، وكلفت بإحضار عشرة قروش ، ومتر من الحبل ، حيث كان ذلك المخيم نقطة تحول في حياتي الاجتماعية والفكرية والثقافية ، والاهم الإسلامية ، وكنا كل أسبوع من الشهر ، ونحن في الثانية عشر من العمر،  نعد بعض المتاع  ، وأصدقاء راغبين في المغامرة والإقدام ، ودراجاتنا ثم نتوجه كل مساء خميس إلي الباكور،  حيث نصل صباح الجمعة ، ونعود مساءا مترجلين  ، وراكبين الدرجات .
 
اكتب اليوم ، القارئ الكريم لأنه وفقني الله ابتدءا أن أجوب الكثير من عواصم العالم ، بمال قليل ، وعتاد بسيط ، ولكن برغبة جامحة ، واستعداد كبير للانطلاق والاستكشاف ، وجوب الأرض برا وجوا ، وترجلا علي الأقدام ، أجوب البلاد ، وأتأمل الآثار المميزة ،  والمتاحف والمكتبات العامة ، والمعارض ، والاهم اللقاء بالناس علي مختلف مشاربهم وثقافتهم  ، وعاداتهم ، ومستوياتهم الاجتماعية غنيهم ، وفقريهم ، عالمهم ، وجاهليهم ، حيث حاولت ومنذ الإعدادية تعلمت بعض من اللغة الانجليزية و الفرنسية ، وقد استفدت كثيرا من هذه الهواية والرغبة ، والحاجة لتعلم لغات قوم آخرون ، لا أقول فقط من تعلم لغة قوم امن شرهم ، بل من تعلم لغة قوم أدي رسالة ، وبلغ أمانة ، واحدث تعارفا وتصاهرا ، وتوسع أفقا ، وقارب بين الثقافات وتلا قح الأفكار،  واكتسب خبرة ، وكسب معارف وأصدقاء جدد ، ثم التعاون لخير الإنسان وشعوب العالم .
 
معذرة لهذه المقدمة الضرورية ، ولقد سمعت من فضائية بلادنا الحبيبة عزم الدولة الجماهيرية علي الشروع في إنشاء خمس مدن سياحية ، بميزانية تزيد علي بليون وبضعة ملايين من الدولارات ، ولا حرج في ذلك ، ولكن دعنا باختصار نعرج علي السياحة وأغراضها وفؤادها ومصائبها ، فقد جاء في لسان العرب لابن منظور تعريفا للسياحة
، فالسياحة مصدرها ساح يسيح سيحا وسيحانا ، اذا جري في ارض ، ويقال ساح في ارض يسيح سياحة وسيحا وسيحانا أي ذهب ، والسياحة الذي في الأرض للعبادة والترهب .
 
أما في النصوص الشرعية ، فقد جاءت مادة ( ساح ) في قراننا العظيم في ثلاثة مواضع ، أولها في الآية الأولي من سورة التوبة ، أو براءة " .. فسيحوا في الأرض أربعة أشهر " حيث فسرها الطبري ، بمعني فسيروا في الأرض مقبلين مدبرين ، امنين غير خائفين من الرسول وإتباعه . والثاني في وصف صفات المؤمنين " التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين " التوبة 112 . والثالث في وصف نساء النبي الكريم أمهات المؤمنين رضي الله عنهن في قوله " إن يبدله ازواجا خيرا منكم مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات ســائحات " التحريم 66 ، حيث جاء في قول الكثير من المفسرين هنا السائحون هم الصائمون  ، وقيل السفر في طلب العلم ، سياحة القلب في معرفة الله ومحبته .
 
أكيدة اليوم اختلط عليك كلمة السياحة ، وجمالها وأهميتها ، وضرورتها وفوائدها الجمة للإنسان أن يسيح في الأرض متدبرا ، متعرفا ، ، مستكشفا ، متطلعا لتعلم شيئا جــديدا ، رؤية أثار ماض سحيق ، اكتساب صديق جديد ، أو تحفزة لتعلم لغة جديدة ، وبين كلمة السياحة بمفهومها وممارستها الخاطئة ، الذي ارتبط فقط بالمتعة والترويح علي النفس ، والراحة والسكون مؤقتا لأسبوع أو شهر من متاعب ، ومشاغل الحياة دراسية كانت ، أو وظيفية ، وارتباطاتها والتزاماتها ، و والتحلل والتحرر من القيود الاجتماعية ، ليكون الإنسان حرا طليقا يفعل ما يشاء ، وكيفما كان ، وهو بعيد عن المعارف والأقرباء ، ونسي أن عين الرقيب لا تغيب .
 
 
أما السياحة في قاموسنا وتاريخنا العربي الحديث ، خاصة الليبي منه ، فالسياحة هو الانطلاق والهروب للخارج وكسر  حواجز العادات والمألوف ، والحجب عن العيون ، ثم إطلاق العنان للشهوات والرغبات ، إلا من ستر ربي ، وهنا لا أود القدح ، والشماتة أو الحكم ، أو المحاسبة ،علي الاحبه عربا وليبين ، فكلنا خطاءين وخيرهم إن شاء الله التوابين والمستغفرين ، ابتدءا من نفسي ألاثمة ، ، فيعلم الله وحده ماأقدم عليه سواح الدول العربية في الإسكندرية ومصر ، وعواصم أوربا الشرقية ، وما يحصل ألان في تايلاند والهند وكوريا  ومالطا ، دع عنك السويد وبريطانيا وأمريكا حتى قريب.فهل ينبغي ان يكرر الاولاد اخطاء الاباء والاعمام ؟!
 
السياحة اليوم باتت وأصبحت من أهم مصادر الاستثمارات التي تدر الأموال الهائلة ، حتي أصبحت مصدر أساسي للدول عربية وأوربية ، وافريقية .
 
والسياحة في مفهومها الحديث ، هي التنقل من بلد إلي بلد للتنزه ، أو الاستطلاع أو الكشف . وقد يكون هذا التنقل داخليا في أجزاء البلاد ، وهذا مما يجب أن يوفر للمواطن للتعرف علي بلده ، وعاداتهم وحتى ثقافتهم ولغاتهم خاصة أخوتنا الامازيغ وبيوتهم وتجاربهم ، فهي ثروة غنية ينبغي للمواطن الليبي الإلمام والتعرف عليها .
 
أغــراض وأهداف السياحة
 
هناك إغراض وأهداف متعددة للسياحة بالنسبة للفرد مثلي ومثلك ، أو للدول التي تسعي لتقديم وعرض ما لديها من أثار لحضارات بالية من معابد ومسارح وتماثيل وحدائق وفنون ونوقشات ورسومات التي خلفتها الأمم أباءا وأجدادا ، أو كما أجملها شاعرنا بقوله :
 
تغــرب من الأوطــــان في طلب العـــلا
          وســـــافر ففي الأســـفار خمس فوائـــــد
تفرج هـم ، واكتســـاب معية
          وعــلم وآداب ، وصحبـــة ماجد
 
فقد جمع شاعرنا بين جملة من الفوائد إيمانية وروحية ، والأخلاقية إلي ترفيهية وترويحية نفسية ، فكما لربك عليك حقا ، واهلك عليك حقا ، فلنفسك عليك حقا ، فأعطي كل ذي حق حقه .
 
أما علي مستوي الدول ، فاغلبها يهمها توفير مصدر حقيقي للدخل ، وزيادة الناتج القومي مما يدعم خطط التنمية ، والارتقاء بمستوي الدولة ، وتحسين أوضاع شعوبها ، واكتساب المهارات اللازمة في إقامة العلاقات البشرية ، وتعلم وإجادة فنون الإدارة ، وتعلم اللغات ، ثم الدعاية والإعلان مما يسجد العلاقات الدولية بين الشعوب وتفعيلها عن طريق الأفراد وتبادل الزيارات رسمية كانت أو شعبية .
ثانيا : وقد يكون الهدف سياسي بحت ، مثل  الدعوة لتمجيد وعبادة الزعيم ، أو للترويج لنظرية أممية أو قومية ، أو فلسفات معوجة،  أو لمذاهب منحرفة ، أو تصدير ثورات طائفية ، وقد سررت يوما عندما شاهدت شابا ليبيا يطوف بلدان البحر المتوسط علي دراجته النارية ، لكنه طبعا كان يحمل في حقيبته صورة الزعيم إياه ونسخ من كتاب ملهم إفريقيا مخيب أمال الوحدة العربية .
 
ثالثا : أخطرها ضراوة وشراسة علي الروح والجسد والجيب ، الإغراض الترفيهية ، خاصة عندما يتحلل السائح من أي انضباط ، أو رقيب ، ووازع أخلاقي سوي ، فالمراقص ، والنوادي الليلية ، والمطاعم والمقاهي العامرة بالمارة وبائعي الأعراض ، والمخدرات ، والشقق المفروشة ......وتعرف البقية .
 
القارئ الكريم لقد جمعت عقيدتك بين العظيم والأعظم من الأخلاق الرفيعة السامية ، فبديع السموات والأرض مدركا وعالما لإبعادك ، وحاجتك النفسية والبيولوجية والاجتماعية ، وحتى الترفيهية ...أمرك بالتعرف علي  الفوارق بين الشعوب ، تعلم اللغات ، مشاركة الأعياد والعادات ، إقامة العلاقات سياسية واجتماعية وتجارية ،  والمصاهرة وحتى الزواج ، والسيح في الأرض ، ثم التبصر في أحوال الأمم السابقة ، وأثارها ومخلفاتهم العمرانية ، ثم ناظرا في عاقبة المجرمين المفسدين ،  الذين اكتسبوا قــوة رهيبة ، وأعلـنوها بكل وقـاحة ، كما يعلنها اليوم قوم آخرون " .. من اشــد منا قــوة ؟! نحن اعتي والقـوة الوحيدة في العالم ‍ نحتوا الجبال العاتية  ،وطغوا ، وافسدوا الحرث والنسل، واستعمروا الشعوب  ،وغزو وشردوا، وسلبوا الحريات ، واخذوا العبيد .. لكن لا بقاء لباغي ولا استمرار لظــالم ، وكما طار طائر ، وقع . " فتلك بيوتهم خاوية بما ظلمــــوا " النمل 26 ..... انك مدعو عزيزي القارئ ، الضرب في الأرض ما استطعت لذلك سبيلا ، فهي دعوة للتفكر ، لإطلاق العنان للعقل وللنفس ، والإدراك ، أن يحلق في الأفاق الكونية ، متأملا متفكرا ، لتكون عنصر إبداع ، عنصر عـطاء ، وتفاعل ايجابي عنصر مبادرة ومشاركة ،  " قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بـــدأ الخلق ." العنكبوت 24 .
سنعرج في الحلقة القادمة إن شاء الله :
ماذا ستقدم الحكومة الليبية للسياحة ؟ والسواح ؟
الآثار السلبية للسياحة علي الأجيال القادمة
ما ينبغي في الاستثمار الحقيقي
لاقتراح أخر اكتب لنا وشكرا