الصفحة الرئيسية

   

الصفحة الرئيسية

      

لـيـــبــيا الجــــديـــد ة

 

 

 


 

العروبة بين الأساطير والمشاريع السياسية
فلسفة الأفكار وقيم المشروع القومي
 

مدخل

 
ليل الأمة ومشاريع أبطال التاريخ

محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، الرسول وبطل الأمة الأول لم يكن يسعى لملك، أو يرغب في توحيد الأمم لإنشاء دولة أممية (إمبراطورية). فبعد قمع تمرد (حروب الردة) على مؤسسة الزكاة التي تصدي لها أبوبكر الصديق، والذي تم تحرير باقي المشرق العربي في عهده رغم قصر حكمه، لم يثبت أن أوصى بقيادة الجيوش أوالجلوس للقضاء أو الإشراف على بيت المال لغير العرب المسلمين.

كما أكد خلفه عمر بن الخطاب أساس إدارة الدولة وفق شرعية مجلس الصحابة "أنا أمير المؤمنين وليس خليفة رسول الله". أقام دولة يتساوى فيها الجميع في الحقوق والواجبات. لقد أمر بمنحة من بيت المال تعطى ليهودي كان يتسول باعتبار أننا نأخذ منهم الجزية (الضرائب) مقابل الدفاع عنهم، لذا وجب رعايتهم عند الكبر، اليهودي والمسيحي والمسلم، العرب والعجم كانوا سواء أمام القانون.

البدو العرب جنود الدعوة ، وحد الإسلام أرضهم وشعبهم. جيوشهم فتحت البلاد التي استقرت بها هجرات العرب القديمة، وقبل انهيار سد مأرب، لذا لم يستقروا بأي من البلاد التي فتحوها، وخاصة شمال إفريقيا، وانتشرت قيم الحق على وثنية الجاهلية.

انتهاء خلافة علي بن أبي طالب كان إيذاناً ببداية أول مملكة عربية وراثية تضم الجنس العربي في المنطقة الممتدة من خليج النفط إلى بحر الزقاق. والتفكير في خلق مجال حيوي من دول الجوار يعد الخط الدفاعي الأول للدولة الوليدة.

ثلاثة قرون مضت، ثمّ أصبحت امبراطورية، رعاياها العجم الذين لونوا الدين بمعتقداتهم الوثنية، وأقنعوا الغالبية بأهمية عودة (بوذا)، أو الإمام المنتظر، وأصروا على أن الأممية هي الإسلام، وأنّ الشعوبية هو ما يقصدها القرآن (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم).

ليل الامة.. بدأ عندما اخطأ ابطال التاريخ فهم العلاقة بين استمرار الملك وقوة العصبية.. وأنّهم لم يدركوا أنّ ضعف العصبية هو ضعف الدولة.. وأنّ عروبة القيادة وأركان الدولة هي الضمان الوحيد لأستمرارالدولة العربية الاسلامية.. وربما استمرار الدين دون تشويه وتحريف.. فهل مازال بيننا من يراهن على دولة اسلامية.. ؟!! تجمع الاعراق والاجناس..!!

هل تناست ذاكرتنا دول السلاجقة والصفويين والمماليك والعثمانيين..؟!! الم يصالح صلاح الدين الكردي الصليبين وترك لهم مدن الساحل العربي وبعيد تحرير القدس..؟!! الم يحتقر الصفويين والسلاجقة الخلفاء العرب العباسيين ويتأمروا عليهم..؟ الم يعدم ضباط الاتراك المسلمين اكثر من خليفة عباسي و الذين تربوا في قصورهم..؟

ألم يقم شيعة ايران قبل وبعد الثورة بذبح واضطهاد عرب عربستان الشيعة..؟!! وخاصة بعد ضم المحمرة في اوائل ثلاثينيات القرن الماضي..؟!! واين هم عرب لواء الاسكندرونة..؟!! اين العرب الذين حرروا افغانستان من الشيوعيون الروس..؟!! انهم جميعا، و رغم اسلامهم يمارسون ضدنا العنصرية.. اتيناهم محررين فسلمونا لاعدائهم، بيعا وبثمن بخس..

المبحث الاول :
من هم العرب..؟!!

لا يختلف الكثيرين على رد اصل العرب الى الشعوب السامية.. وان اللغة العربية هي اقدم اللغات السامية.. وهذه اللغة اصلها من المنطقة الممتدة من الخليج العربي الى بلاد العراق والشام تقريبا..

كما يزعم الكثيرين من المستشرقين انّ اول اسم عثر عليه ويدل على وجود العرب بالاسم كان في حدود سنة (880- 854 ق م ).. وهم بدو الصحراء.. ( لما حالف "العربي" جندبو ملك دمشق "برعدري" المسمي بنهدد في التوراة، وقدم له 1000 جمّال من بلاد " أريبي " في حربه ضد شلمنصر الثالث.)(1).

ولكن لا ينكر احد من المؤرخين هجرات العرب من شبه الجزيرة العربية اثر الجفاف الذي تبع انهيار سد مأرب، وهنا التاريخ يعد اقدم كثيرا.. لقد استقرت هجرات العماليق في مناطق الساحل لفلسطين ولبنان بزمن يفوق الالفي عام قبل ميلاد المسيح..

ومع ذلك تظل فكرة وحدة اللغة وتكونها لغزا لا يستطع الباحث استبعاد الاساطير وتاريخ الحفريات الاثرية التى دونتها.. ولكن نجد ان العرب منذ الالفي عام قبل ميلاد المسيح لهم ذكر في كتب مؤرخين مثل العالم وليم البرايت.. حيث يشير الى هجرات داخل الوطن العربي مصدرها بلاد اليمن.. ( 1500 ق م هجرات قبائل جنوب العربية " قتبانين ومينويين وحضارمة " من الشمال..)(2).

ويضل الاعتماد على الاساطير والخرافة امر مهم بسبب ان الاساس الذي تعتمد عليه أي دراسة جادة هو البحث عن الحقيقة وان كانت الطريق اليها هو التفحص والتدقيق في اسباب نشؤ هذه الاساطير..!! فمن يستطيع نكران عدم تأثر التورات وكافة الكتب المقدسة التي سبقت الانجيل او العهد الجديد بكل الخرافات والاساطير التى تخص شعوب الشرق..؟!

العرب امة تقطن المنطقة التى كانت قديما موقع لاشهر حضارات عرفها التاريخ بعض هذه الحضارات عمرها جاوز الاربعة الاف سنة.. وإذ ما أتفق أنّ حضارات مدين وعاد وثمود وسبأ، حدثت في اعقابها.. هجرات جماعية نتج عن نهاية كل منها وبحسب شهادات المؤرخين وعلماء الاثار.. فإننا لانغالي إذ قلنا بوحدة تلك الهجرات عرقيا..

ولن نغاير الحقيقة إذ شككنا في تقسيم المستشرقين الالمان لسكان المنطقة بأنهم ساميين فقط.. أو أنهم خليط من الحاميين الافارقة والساميين الاسيويين.. إذ أنّ نظريات نشوء الانسان لا زالت تتردد بين تأكيد أنّ اسيا أوافريقيا كموطن للانسان الاول..

ولإنّ منطقتنا قامت بها اقدم الحضارات.. فلاشك إذا إنّ بداية الخلق حدث بمكان ما بها، وأنّ العرب عرفوا رسالات أنبياء كهود وصالح وشعيب عليهم السلام مما يعني أنّهم كانوا مختارون من قبل الله قبل ان يعرف التاريخ العبرانيين..

فلسفةالعروبة، دعوة اجتماعية أم هدف سياسي..

بنهاية الاربعينيات من القرن العشرين برزت دعوات كان السبق فيها لسوريا ولبنان تنادي بالقومية والوحدة العربية.. وكان منها من كان ينادي بوحدة سوريا الكبري فقط.. ولكن بأحتلال فلسطين، وضياع أرض المحمرة ولواء الاسكندرونة قبلها.. وظهور أحزاب علمانية قومية.. وقيام ثورة 23 يوليو بمصر، تطور مفهوم الدعوة من أجل الوحدة والتحرير لتشمل اهداف اخري كالعدالة الاجتماعية والتطور الاقتصادي.. وأصبحت العروبة دعوة لأنشاء الدولة القومية.. بما تعنيه كلمة دولة من وحدة للسلطة والشعب والارض..

فلسفة الاهداف لا شك انها تستوجب مخاطبة المشاعر حتى يتم قبولها.. وإذ ما اتفقنا أنّ ابدال القيم تستوجب اعطاء الزمن الكافي لاحلالها بدل قيم ما دون القطرية، والقطرية.. من جهة أنّ الانسان العربي يعتز بعشيرته.. ويرفض سيطرت الدولة.. ويعشق بساطة الحياة.. ومن جهة اخرى، لايوجد لدي معظم العرب وعي بأهمية العمل السياسي..!! فأين أخطأ الداعون بفلسفة الدعوة..؟!!

لقد حدثت في بداية القرن الماضي ان وصلت حركات دينية للحكم كالوهابية في الجزيرة العربية والمهدية في السودان ثمّ السنوسية في ليبيا، وهذا لايعني أنّ باقي البلاد العربية كانت بعيدة عن سطوة الحركات الدينية، ولكن بروز الدعوة القومية وارتفاع اسهم شعاراتها بين الجيل المتعلم من العرب خفف من بروزها.. بل أنها فشلت في التأثير في المجتمعات التى بها تعدد الطوائف والاديان..

تطور المجتمعات العربية.. وقدرة بعضها دون الاخرى على خلق مجتمع خدمي استهلاكي بسبب ندرة المواد الخام و الزيادة السكانية، دفع البلاد العربية الى توقيع اتفاق انشاء سوق عربية مشتركة سبق تأسيس مجالس التعاون الاوربية ومع ذلك فشل العرب في خلق تكامل اقتصادي بينهم، واصبحت فلسفة الايدولوجيات الحزبية تكرر نفس الدعوة مع اختلاف واحد متفق عليه بينهم وهو رفض الاخر واقصائه والانقلاب عليه وضاعت بذلك فرص التطور الحقيقي القائم على البحث والنقد والتشاور..
( وبأختصار، دولة العرب القومية، هل ستكون اسطورة..؟ وهل تتحول كل الافكار الوحدوية الى ترف فلسفي يبكي قيم الدولة الخرافة..؟ وهل القوميون في محاولتهم لفصل الدين على الدولة لم يتزودوا بكل عتاد الوحدة..؟!! أنّ أي دعوة نجاحها يتوقف على ما يعود على القابلين بها من فوائد.. فهل من سبب يبررعدم اقامة المشاريع الاقتصادية على اسس المشاركة والجدية الاقتصادية..؟ بعيدا عن العواطف.. وبدون تدخل الحكومات.. اليس هناك تجارة بين الحدود يصفها النظام العربي الرسمي بالتهريب..؟!! الا يعني فلسفة الدعوة للعروبة، يعني تحولها من هدف اجتماعي الى مطلب سياسي..؟.

الخاتمة
كانت المدرسة الحسية في الفلسفة اليونانية دعوة عالمية في مقابل الافكار القومية والتعصب الاثيني.. وهاهو افلاطون يصرخ عاليا..( أشكر الالهة التى جعلتني يونانيا لا بربريا، رجلا لا امرأة، حراً لا عبداً..) لذا نجح الحسين حيث فشلت مدرسة العقل في توسيع دائرة الانصار.. لان دولة الصفوة تدفع نفسها الى حتفها بأنغلاقها..

يقول الاستاذ دكتور مهدي امبيرش في الصفوة ( الصفوة مصطلح يعني، كأنّ الجماهير فوضوية تريد أن نصفيها والدهماء تمركز للسواد كذلك.. يعادل اهل الكهف..) فهل في مواجهة عجز الفكر الوحدوي وغياب النظرية الاجتماعية التى يمكن ان تشكل له الاداة المناسبة فرصة للجماهير لترسم طريق الوحدة..؟!! اليس الجماهير هي صاحبة كل شيء فلما الخوف من طغيانها..؟ هل ستفرض الامور اخيرا على الحكومات النخبوية التراجع امام قيم تفرضها ارادة الجماهير ومصالحها..؟

أنّ قيم النظام الرسمي السياسية والاقتصادية ادت الى ترسيخ الاقليمية وانتشار النزعة القطرية واصبحت فضيلة الوطنية القطرية اقوي من رغبة الوحدة.. و كما قال السفسطائيون (أنّ الفضائل التى تعارف عليها الناس ليست سوى رذائل مقنعة)(3) بل لانها واقع لا تفرضه الحكومة التى تمثل دائما قرار الصفوة.. وإنّ الاقتناع بها والتعود عليها لا يعني استمرارها الى الابد.. ولكن مصالح الغالبية من الجماهير هي المحك الذي تسقط امامه كل الفلسفات الفكرية النخبوية..

العصر الان عصر الجماهير.. والتطور التكنولوجي في مجال الاتصالات والمواصلات سيجعل قضايا الحدود والبوابات والدويلات القطرية في مأزق الاختفاء.. فالعملية لا تستهدف العلم والدولة بل الهوية الوطنية.. فأين الملاذ وغول العولمة الاقتصادي كان سبب في بوار التجارة العربية وركود صناعتها.. وافلاس مؤسساتها..!!

الجماهير ستلجأ للارض التى كانت أرضها تتحرك فيها بحسب مصالحها.. وليس امام النظام الرسمي العربي الاّ الاسراع بأزالة الحدود بما تحويه من مكاتب للجمارك وبوابة حراس الحدود.. وقبول فضيلة الوحدة وقيم مجتمع الامة.. فالعامل الاجتماعي هو المحرك للتاريخ..

إنّ الدعوة ملحة جدا، لاعادة فلسفة اخلاق النخب السياسية في الوطن العربي.. وقبول مبدأ الحوار.. والتفكير في التنازل عن الكثير من الصلاحيات.. لصالح المشروع القومي وتحويل قوانين الدولة الى مشروع من التقنين الشعبي.. يرسي دعائم قيم العروبة الجسد الذي روحه الاسلام.. تنفذه الجماهير لارتباط مصالحها الشخصية اولا به، ثمّ لإنّه صنع ارادتها ولم يفرض عليها فرضا..

ومن أجل ان تكون فلسفة العروبة دعوة اجتماعية وهدف سياسي، فإنّ العرب الذين كانوا سيتحولون الى اسطورة لولا ان بعث الله فيهم نبيا منهم، مطالبون في ظل هذه الظروف أن يعودوا الى ثقافة القران والتحرر من هيمنة قيم الفكر الديني الرجعي وهيمنة المذاهب.. لكي يتطابق العامل الديني والاجتماعي.. ومن اجل الدولة القومية

 

علي ابريك المسماري

عن ليبيا جيل


1 - مدخل جديد الي علم الفلسفة، د. يوسف حامد الشين، دار الاندلس،اسكندريه، 2003، ص 80..
2- من الساميين الى العرب – الشيخ نسيب وهيبة الخازن – منشورات دار مكتبة الحياة – بيروت – ص 151.
3- نفس المصدر اعلاه.. ص 185..