الصفحة الرئيسية

   

الصفحة الرئيسية

      

لـيـــبــيا الجــــديـــد ة

 

 

 


 

 

السياسة والسلطة والمجتمع في ليبيا

بقلم / منصف البوري

 

كان واضحا منذ وقوع الانقلاب العسكري(1) في عام 1969 ، على الأقل لدى البعض ، بأن هناك مشكلات ومعضلات تتعلق بالسلطة والحكم والمجتمع ، وأن هذه المعضلات سوف تعيد طرح نفسها من حين لآخر ما لم يتم تدارك الأمر وإصلاح الخلل ، وحل المعضلات .

وعلى امتداد ثلاثة عقود ، مرت ليبيا بسلسلة من الإخفاقات والأزمات المتلاحقة بسبب طبيعة السلطة ( الحاكم / القائد ) ، وإدارة شئون الحكم ( الممارسة ) ، وخصوصيات تركيبة المجتمع الليبي ( قبلي / جهوي ) .

بعد الانقلاب أصبحت الأزمات تفتح الطريق لأزمة بعد أخرى في عملية تفريخ مستمرة تجلت مظاهرها في أوجه متعددة ، شملت للأسف الشديد كل جوانب الحياة الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية لليبيين . حالة التأزم هذه لم تكن وليدة مرحلة زمنية بذاتها ، ولا هي محصلة سنوات محدودة ، ولا هي أيضا نتاج أحداث فجائية حلت هكذا بالبلاد بشكل عشوائي ، وإنما هي في الواقع نتيجة حتمية لتراكمات كثيرة أخذت تزداد سنة بعد أخرى منذ وقوع انقلاب سبتمبر حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن .

والسؤال الذي يطرح في هذا السياق هو : كيف وقع هذا الخلل واستمر حتى الوقت الحاضر ؟

الخلل في نظر الكثيرين وقع منذ بداية شيوع ظاهرة الإنقلابات العسكرية في المنطقة العربية ، خاصة وبقية دول العالم الثالث عموما . فهذه الإنقلابات العسكرية التي رفعت شعارات تدغدغ مشاعر الجماهير وترسم صورة وردية لأمانيها وطموحاتها وآمالها كانت كارثة بالمعنى الحقيقي للكلمة .

وبعيدا عما يقال من تداخلات الدول الكبرى وأدوارها ، أو حتى قيامها بتهيئة الأجواء لهذه الانقلابات العسكرية ، فإن الواقع كان يؤكد انعدام الخبرة والتجربة السياسية ، وفقدان الإطار الفكري ، والأيديولوجي للقائمين بهذه الإنقلابات ، فضلا عن إقصاء أهل الفكر والعلم من المشاركة في صياغة مسيرة السلطة وضبط ممارساتها وغياب الآليات الدستورية والقانونية التي تحدد الاختصاصات والصلاحيات وترسم حدودها ، وانعدام النقد البناء والتنبيه للأخطاء داخل الأطر الرسمية وخارجها ، ورفض كافة صور الحوار العقلاني الذي يهدف إلى الترشيد والتوجيه والإشارة إلى مواطن الخلل وبناء جسور التواصل والتكامل بين الحكم ممثلاَ في السلطة وبين بقية أفراد المجتمع فردى وجماعات .

هذه بعض الملامح التي أوصلت الأوضاع في كثير من دول العالم الثالث ، وليبيا من بينها إلى هذه الحالة من الخلل .

إذاً ماذا قدمت هذه الإنقلابلات العسكرية لشعوبها ؟

 

--------------------------------------

(1)   انقلاب في المصطلح القانوني – يعنى مجموعة من الأفراد عسكرية كانت أو مدنية تستولي على السلطة بالطرق السلمية أو العنف أو التأمر ، أما الثورة – تعنى خروج الشعب أو غالبيته لتغيير السلطة السياسية بوسائل عدة تبدأ من العصيان المدني الى التظاهر الى استخدام العنف .

هذه الإنقلابات العسكرية ، ومن بينها انقلاب القذافي العسكري ، لم تقدم لشعوبها سوى الهزيمة سياسياَ وعسكرياَ ، والتخلف اقتصادياَ وتقنياَ واجتماعيا .

 

في التجربة العربية للإنقلابات العسكرية وعبر مسيرتها الطويلة أوجدت وخلقت تفاوتات اقتصادية داخل مجتماعاتها هي أقرب إلى التفاوتات الطبقية - ليس بالمعنى الحرفي والواقعي ، لأن معظم الدول العربية لم تصل في أي مرحلة من مراحلها التاريخية إلى حالة الفرز الطبقي كما هو الحال في الغرب وأوربا عموماَ ، ولكن بالمعنى التمييزي ، أى من خلال مجموعات ( طبقات ) أو إفراد هم الأكثر استفادة اقتصادياَ ، والأكثر ارتباطاَ بالسلطة ممثلة في ( الحاكم / القائد ) ، وبالمقابل لم تشهد المجتمعات العربية أي تحسن في مستويات المعيشة ولم يرتفع دخل الفرد إلى المستوى الذي يضمن له حياة كريمة ، بل تدهورت الأوضاع الاقتصادية في جميع الدول التي شهدت انقلابات عسكرية إلى مستويات دنيا .

أيضا الانقلابات العسكرية في مسيرتها لإحكام سيطرتها ، وضمن الولاء لقياداتها ، أوجدت أُطرا رسمية في شكل أجهزة أمنية ومخابراتية ، وأجهزة ومجموعات غير رسمية ، وأفراد يدينون بالولاء المطلق للسلطة مهما كانت ممارستها ظالمة وخاطئة وجائرة وقاتلة ، فالمعيار الذي يقاس به التابعون لهذه الأنظمة هو الولاء قبل الكفاءة ، والكثير من هذه الإنقلابات العسكرية أسست بنيتها العليا في الأجهزة المسيطرة والمتحكمة في كل شيء على أسس قبلية /عشائرية /عائلية ، كما أن هذه " القيادات " أوجدت من خلال محاولاتها التشبث بالحكم صراعات اجتماعية عصفت بالنسيج الاجتماعي لمجتمعاتها ، والنتيجة كانت من جراء هذه " السياسات " تفشي الفساد والفوضى والإنحلال الأخلاقي وانتشار الكثير من الأمراض الاجتماعية الأخرى .

 

التغيير السياسي والعداء للمؤسسات (2) :

منذ السنوات الأولى للتغيير السياسي عبر الانقلاب العسكري كان جلياَ بأن هناك عداء من القادمين الجدد للمؤسسات بأشكالها المختلفة Anti - institution السياسية منها والنقابية ، والمهنية ، أو غيرها . وكان واضحاَ أيضاَ إما عدم معرفتهم ، أو إحساسهم بأهمية دورها في المجتمع من حيث كونها قنوات تواصل تعمل من أجل ترسيخ كيان الدولة ، أو كونها في حركتها وتفاعلها تؤسس للآليات المجتمعية التي تحقق الاستقرار والأمن ، أما شعارات الانقلابيين فقد بدأت أولى مظاهرها في العداء للمؤسسات من مقولة " من تحزب خان ".

كان خطاب زواره علامة بارزة في العداء لشكل ومفهوم الدولة بمؤسساتها وأشكالها التقليدية التي تعرفت عليها المجتمعات الإنسانية عبر مسيرتها الحضارية . لقد أوضح القذافي في خطابه بشكل سافر عن رغبته في السيطرة الكاملة على البلاد من خلال إعلان ما يسمى " بالسلطة الشعبية " . ولا شك أن تحليل شخصية القذافي بداية من هذه المرحلة تكشف عن سلوكيات ، ورغبات فردية نابعة من بنية تكوينية ذاتية تمتزج فيه عوامل الطفولة القاسية .

 

--------------------------------------------------------------

(2)              المقصود بالعداء للمؤسسات والعداء المؤسسي – هو رفض الأشكال التنظيمية التى تعارف عليها المجتمع المدني عبر مسيرته التاريخية، باعتبار هذه المؤسسات بإختلاف أدوارها وتوجهاتها – هي أدوات حضارية لتنظيم حياة حركة المجتمع بصورة تسمح بالتفاعل بين عناصرره لخدمة الصالح العام .

 

وتأثيرات البيئة واختلال التربية والتوجيه وانعدام التجربة والوعي والثقافة السطحية المستندة على الشعارات البراقة فضلاَ عن رفض الآخرين .

لقد اختلطت شخصية القذافي المتقلبة والمزاجية برغبته في السيطرة والهيمنة دون منافسة أو معارضة أو رفض من أحد ، وباندفاع عاطفي غير مستقر في هذا الاتجاه تارة ، وفي ذاك الاتجاه تارة أخرى ، أي دون توازن في الرؤية والواقعية في الطرح ، ودون الرغبة في تحمل مسؤولية قراراته وأحكامه وممارساته وسياساته .

عندما طرحت فكرة المؤتمرات واللجان الشعبية من قبل القذافي أدت إلى خلق إطارات شكلية ومطاطية لإدارة شؤون الدولة ، وأدت من خلال الممارسة الفعلية إلى إلغاء فاعلية عملية المساءلة السياسية والقانونية ، كما ألغت عمليا إصدار القرارات من جهة مخولة بالمسؤولية وخاضعة للمساءلة والعقاب ، وإلى تشتت المتابعة والرقابة ، الأمر الذي أدى في النهاية إلى تحلل وضياع المسؤولية بالإدعاء بأن المجتمع في أدنى مستويات القاعدة الشعبية يشارك في اتخاذ القرارات ، بينما الحقيقة أن القرارات "والسياسات" والأحكام هي في يد القذافي وحده .

لقد أدت هذه الوضعية إلى انقطاع استمرارية الدولة ككيان مؤسسي مستقر يمكن من خلال مؤسساته ترسيخ تقاليد لازمة للأداء السياسي والاقتصادي ، وخاضعة للمساءلة والمحاسبة ، وقادرة في نفس الوقت على التفاعل مع قوى وعناصر المجتمع .

وكان من نتاج هذه الوضعية منع وصول أية عناصر وطنية مخلصة ومنتجة لبناء الدولة ، ورسم برامجها ، وتلبية احتياجات المجتمع ، وترشيد رؤية الدولة . بمعنى القدرة على البناء بأبعاده المتعددة ، والمحافظة على ذلك البناء من خلال المسؤولية المباشرة للعاملين به .

إن ليبيا بعد الانقلاب العسكري لم تعرف ما يمكن أن نطلق عليه معايشة لشكل الدولة بصورة منتظمة ، بل عرفت تخبطاً وآداءاً متعثراً وإدارة عشوائية لميكنة " الدولة " من خلال أجهزة أمنية أو أشخاص مرتبطين بـ ( الحاكم / القائد ) ، وليس من خلال مؤسسات مؤطرة تخضع لقواعد وضوابط وقوانين تحكم قراراتها وممارساتها .