بسم الله الرحمن الرحيم

أول ما يلاحظ أي دارس للمجتمع
الليبي ذالك الوضوح والصفاء والتوحد في المذهب والدين والذي ساعد ليبيا
في أن تكون دولة خالية من أي نزاع ديني مثل النزاعات الموجودة
والمتأصلة في دول لا تبعد كثيرا عن ليبيا.
كان هذا التقارب الديني هو أحد عوامل التوحد والاندماج في مجتمع صغير
على مساحه كبيرة من الأرض وتسود فيه أدبيات القبيلة كدستور اجتماعي
يسير البلاد في حالات غياب القوانين والدساتير المدنية.
لكن ما لا يعرفه الكثير هو أن هذا الإجماع الليبي على مذهب واحد ساعد
ليبيا في أن تكون دولة واحدة مترابطة وإن ظهرت على غير ذلك وخير دليل
على ذلك المحافظة على الهوية الليبية في فترة الاستعمار الإيطالي حيث
كان الدين هو الرابط بين المجاهد والوطن وتوحد الدين والمذهب زاد من
ترابط المجاهدين وباقي أفراد الشعب الليبي المنتمي لقبائل مختلفة
ومتباينة
كان الدين الإسلامي هو الوقود لهذه المقاومة التي ظهرت في وجه المحتل
الإيطالي والتي صارت فخرا لكل ليبي أينما حل وارتحل .
بمرور الأيام ووصول الحياة السياسية الليبية إلى مرحلة المرض في نهاية
الفترة الملكية من حكم ليبيا عرفت ليبيا نوعا غريبا من ردة الفعل على
الوضع السياسي السيئ وهو تصدير أزمة السياسة إلى دائرة أخرى خارج
الدائرة السياسية فرأينا وصول المقاتلين الليبيين إلى الجبهات العربية
المشتعلة كأول مقاتل يصل من البلدان العربية وصارت السياسة الليبية
تصدر أزمتها الداخلية إلى جبهات القتال المشتعلة كما حصل في
نكسة (جمال عبد الناصر) عام 67 عندما خاض حرب الأغبياء ضد
اليهود الأذكياء فرأينا وعشنا خلال تلك المهزلة كيف تأثر المجتمع
الليبي بأزمة تبعد آلاف الكيلومترات عنه وكيف عم الحزن والمضاهرات
المدن الليبية المستآئة أصلا من الوضع السياسي الداخلي ثم بعد استلام
قائد انقلاب ال69 للحكم وتمترسه في أعلى سدت الحكم دخلت الحياة
السياسية في ليبيا غرفة الإنعاش وصار واضحا أن تصدير الأزمة أمر واجب
لإبعاد الأعين عن المشاكل التي يعانيها المجتمع الليبي فبدأت الحكومة
في مناوشات مع بعض الدول وتدخل عسكري في دول أخرى، ومن ناحية أخرى بدأ
الإنسان الليبي في البحث عن ردة فعل لأزمته فبدأ كمقاتل يجوب العالم
بسلاحه باحثا عن أزمة عالمية يدمجها في أزمته الليبية ،وهذا فعلا ما
رأيناه في موت أول مقاتل عربي على الساحة الأفغانية وهو الدكتور صالح
رحمه الله الذي كان من أحد أنجب أبناء بنغازي فلم يجد مكان مناسب
لاستقباله لكي يفرغ الكبت الذي كانت تعانيه ليبيا في حقبة 81/80/79/م
والتي كانت فيها ليبيا تعاني من مشاكل كبيرة داخل الدولة .
أظهر المقاتل الليبي أينما حل
وارتحل شجاعة نادرة لفتت الأنظار إليه ومن هنا بدأ استغلاله كوقود
لحروب دينيه هي ناتجة بشكل أو بآخر من صراعات اجتماعية تدور داخل
مجتمعات دول الجزيرة العربية فبدأت الدعوة للشباب الليبي في الانخراط
بقوافل المجاهدين مع نهاية عقد الثمانينات واستفاد المجاهدون العرب (من
الجزيرة العربي) من المقاتلين الليبيين الشباب كماً وكيفاً ووجدوا
ضالتهم في هذه القوة الفائظة الغير مستثمرة
وبالمقابل كانت ليبيا تخسر مزيدا من أبنائها في حروب لا علاقة
لها بها من قريب ولا بعيد.
بعد بداية التسعينات ووصول
الحالة في ليبيا إلى ما يعرف بالتعفن والتقيح السياسي للدولة كانت
التيارات السلفية تتقاتل اتضمن
ضم أكبر عدد من الشباب الليبي الذي أنقسم
بدوره بين لاجئ ومواطن صاحب كفائه في دول الخليج العربي أو مقاتل مقدام
في ساحات متفرقة من العالم.
واليوم في هذه الفترة من تاريخ ليبيا والتي هي فترة تغيير سياسي لا
محالة أو على الأقل حقبة حراك على السلطة في ليبيا ووصول نسبة الشباب
في ليبيا إلى 73% من نسبة السكان بدأت المرحلة الرابعة في تصدير
الإنسان الليبي وأزمته وإضاعة الفرصة للمرة الرابعة على ليبيا بأن
تستضل بأبنائها فبدأنا نرى الشاشات العراقية التي تعرض علينا مجموعات
من الشباب الليبي الذي ذهب إلى العراق ليجاهد على حد ظنهم، فتم إلقاء
القبض عليهم ومعاملتهم كمجرمين وكأزمة قادمة من خلف الحدود.
كنت أرى وجوه الشباب في الفضائيات وأتحسر على هذه الطاقة المهدرة على
غير صالح الوطن وكيف أستطاع المجتمع السعودي بالتحديد أن يصدر أزمة
اجتماعية بقالب ديني إلى كل العالم دونما استثناء ل ليبيا التي حماها
سابقا توحد الدين والمذهب فيها ووسطية مشائخها
فصار الشاب الليبي اليوم بين أمرين إما شاب سلبي لاتهمه أزمة
الوطن ويعيش على فتات مائدة حكام طرابلس وبين متعبد على مذهب السلف
السعودي، الجسد في ليبيا والقلب في الرياض وبين مطرقة الإهمال
واللامبالاة وسندان السلفية تصدر ليبيا أزمتها وطاقات شبابها وتستورد
أزمات نشأت وترعرعت في مجتمعات أخرى ووصلت إلينا كبطاقة عضوية للإنظمام
للفئة الناجية أو أهل السنة والجماعة كما يحلو لهم من تسمية
وبتلك العضوية يمكن لأي شاب ليبي أن يلتحق بقوافل الشهداء في العراق أو
أفغانستان أو حتى الشيشان ومنهم من توصله إلى جزيرة غوانتناموا لتدخل
ليبيا من جديد ومرة أخرى في دائرة إهمال الداخل والتعلق بأحلام
العصافير التي يراها علماء ومشايخ الرياض أصحاب الأوزان الثقيلة
والخصور المدورة والأزمات المصدرة.