عودة للصفحــة الرئيسية         

      

لـيـــبــيا الجــــديـــد ة

 

 

 


 

الانتماء للوطن هل ينافى الانتماء للإسلام؟؟


هناك نِعم لا تُستشعر قيمتها في النفس - عند كثير من الناس - إلا بفقدها ، وإن
استدعاءها بتذكرها بعد ذلك يثير في النفس الشجن ، ويبعث الشوق من مكامنه ،
من ذلك: نعمة الوطن الذي درج فيه المرء صبيا حتى بلغ أشده .. فإنه متى فارقه إلى غيره ، لا يفتأ يؤم جهته بقلبه شوقا وحنينا ، ذاكرا ما كان له فيه من ذكريات طوته أيامه هناك ولياليه .. حتى وإن كان قد خرج منه راغما ، أو أُخرِج منه مضطرا؛ فإن شيئا من ذلك لا يلثم حبه لوطنه ، ولا ينقص من انتمائه لأهله وعشيرته .. كيف وقد قيل: "إن من علامة الرشد أن تكون النفس إلى بلدها تواقة، وإلى مسقط رأسها مشتاقة ".
ان النفس السّويّة بطبعها تألف موطنها الذى فيه ولدت ، وعلى مهده نمت وشبت
حتى وإن كان هذا الموطن صحراء قاحلة ، أو محِلّة مجدبة:

ونستعذب الأرض التي لا هوا بها .:. ولا ماؤها عذب ولكنها وطن


وإن النازلة من نوازل الدنيا إذا نزلت بالمرء قد تنقلب هيّنة سهلة متى كان ثاويا فى وطنه ، مقيما فى أهله وعشيرته ... ولا يدرك ذلك إلا من اجتمع عليه حر المصاب وحر الاغتراب ،وقديما قال الشاعر يشكو حضور الهم فى غياب الأهل والوطن- وهما مما يُتَعزّى به - يقول:

بمَ التّعلل لا أهل ولا وطن


ولولا مكانة الوطن في النفس ما تغنّى به الشعراء , وما عُرف بحبه العقلاء .. بل إننا لا نبعد كثيرا إذا قلنا أن حب الوطن والارتباط به ، والانتماء إليه فطرة معتدلة ، وجِبِلّة مركزة في نفوس الأسوياء من البشر؛ بحيث لا يمكن لأحد من الناس - كائنا من كان - أن ينزع هذه الفطرة من نفس صاحبها ، أو يسلبها من قلبه ؛ وذلك لتمكنها منه ، ونفاذها فيه ، ومن ثم - وتفهما لهذه الغريزة - جاءت الشريعة السمجاء متوافقة مع هذا الخلق ،ومتناغمة مع دواعيه ؛ في غير مبالغة ممجوجة أو تساهل مستهتر.
وإن خير ما يستدل به على حب الوطن والحنين إليه ، ماقاله النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو مفارق لقريته التي أخرجته : " إنك خير أرض الله ، وأحب الأرض إلى الله ، ولولا أن اهلك أخرجوني منك ما خرجت" قال ذلك رغم فساد أهلها ، ومعاداتهم له ، ومحاربتهم لدعوته ، وحصارهم لأتباعه وعشيرته.
ولعل الحب الدافئ العميق ، والحنين الصادق الموصول للدار والأهل والولد هما اللذان ضاعفا من علة أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قدموا المدينة ، ولم يزل جَوّها وخيما موبوءا ، فدعا لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - :" اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد ، وصححها ، وبارك فى صاعها ومدها ، وانقل حماها فاجعلها بالجحفة".
والنبي - صلى الله عليه وسلم - نفسه قد اغرورقت عيناه يوما بالدمع حين ذكر بعض أصحابه مكة وهم بالمدينة ، حتى قال :" دع القلوب تقر ".