الصفحة الرئيسية

   

الصفحة الرئيسية

      

لـيـــبــيا الجــــديـــد ة

 

 

 


 

الدمــــــــــــار الحقيقي

بقلم : محـــمد نصر

عندما تتحدث إلى الكثير من الليبيين وتتحاور معهم في أوضاع البلاد فانك تجد أن شكواهم الرئيسية هي فيما لحق البلاد من دمار في مجال الخدمات العامة كالصحة والتعليم والنقص في الاحتياجات والمستلزمات التي يتطلبها الناس من أجل البناء والأعمار وصعوبة الحصول على وسائل النقل وغلو الأسعار وتدني مستوى الدخل وما إلى ذلك من الأمور .. وكل تلك القضايا مهمة لاستمرار الحياة والاستقرار النفسي , فعندما لا يجد المواطن مكان يتداوى فيه من إمراضه ويضطر للسفر إلى بلاد أخرى متحملا أقصى التكاليف والمشاق من أجل عزيز أو قريب له , وعندما لا يجد الأب مدرسة أو معهد به مستلزمات نجاح التعليم مما يدفعه بإرسال ابنه أو ابنته إلى دولة أخرى للحصول على التعليم المطلوب , وعندما لا يجد المواطن سهولة في الحصول على المركوب أو الملبس أو حتى المأكل في بعض الأحيان مع توفرها في دول مصادرها المالية أقل بكثير من بلاده , فانه يصاب بخيبة الأمل والحسرة على ذلك .. وعندما يجد الإنسان نفسه يسبح في بحر من المياه لسقوط اقل الإمطار أو محاط بالقاذورات والأوساخ لعدم توفر الخدمات المطلوبة للنظافة , فان ذلك يعكر صفو حياته ويساعد على انتشار الأمراض والأوبئة. وعندما يجد الموظف أو العامل أن دخله الشهري لا يغطي أقل احتياجاته المعيشية مما يضطره لمزاولة أكثر من مهنة أو عمل فان ذلك يؤثر على دوره في البيت ومع المجتمع وقد يصاب بالقلق والتوتر والتعب النفسي والبدني .. كل تلك الشكاوى حقيقية ومهمة وتحتاج الى وقفة جادة من أجل علاجها والحيلولة دون تفاحلها وتعاظمها , الا أن كل تلك القضايا والهموم ليست هي وحدها الدمار الحقيقي الذي يجب أن يشغل جل وقت الناس واهتماماتهم , فهناك دمار هو اشد وطأة من ذلك الا وهو دمار النفوس وفساد الذمم وهبوط مستوى الأخلاق وغياب روح المحبة والتعاون بين الناس .. فهذا هو الدمار الحقيقي .

ان الدمار المادي يمكن علاجه في سنوات قليلة اذا توفرت العزيمة وتغيرات اهتمامات الساسة وأفسح المجال أمام رجال الإعمال وأصحاب المهن والحرف وأطلقت الحريات الاقتصادية .. فهذه اليابان تكاد تكون دمرت بالكامل في الحرب العالمية الثانية , وما هي إلا سنوات بعد ذلك وقد أعيد أعمارها بل وأصبحت في مصاف الدول الصناعية المتقدمة في العالم . وكم من مدن في العالم دمرت بالزلازل أو الحرائق أو الفيضانات وما هي الا شهور أو سنوات قليلة وقد أعيد أعمارها وبناءها وعادت فيها الحياة كما كانت , بل أفضل مما كانت .

ولكن الذمم التي فسدت فأصبحت لا تتعامل إلا بالرشوة والمحسوبية والوساطة .. والنفوس التي تعودت على الذل والتزلف والمداهنة والتملق والنفاق , والقلوب التي تعلقت بالمادة فأعمتها عن كل القيم والأخلاق الحميدة حتى أصبحت مستعدة لبيع أخرتها بدنيا غيرها .. والأخلاق التي انغمس أصحابها في الرذيلة أو المسكرات أو المخدرات أو تعود أصحابها على الغش والخيانة والخداع .. هذه هي الأمراض الحقيقية التي تدمر الأمم وتأتي على الأخضر واليابس ويجتاح علاجها إلى أجيال وأجيال وليس شهور أو سنوات . وهذا هو الدمار الحقيقي الذي يجب أن يشغل بال المصلحين , وأن يحتل المساحات الكبرى في كتابات ومقالات المؤيدين والمعارضين . ولقد صدق شوقي عندما قال :

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فان هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

إن المستوى الذي وصل إليه المجتمع الليبي في كثير من فيئاته ينذر بالخطر العظيم والوبال الماحق اذا لم يتدارك بسرعة .. لقد انتشرت أمراض لم تكن معروفة ولا مألوفة في المجتمع الليبي وحصل تفكك في مستوى العلاقات بين الناس , بل حتى بين الأقارب ما كان يعتبر من المستحيلات في السابق . انك تجد اليوم التطاحن دخل الأسرة الواحدة على عرض الدنيا الفاني .. فهناك تقاتل على الأموال وعلى الميراث وعداوات بين الأخ وأخيه والجار وجاره . وهناك الوشاية بين الصديق وصديقه وبين القريب والقريب من أجل التملق للسلطان والتزلف لأصحاب المناصب وحرصا للوصول إلى الأهداف والغايات .

لا شك أن البطالة والحاجة المادية والظلم الاجتماعي والقهر السياسي ساعد على اتساع دائرة هذه الأمراض وانتشارها بين فيئات واسعة من المجتمع . اذ وجد كثير من الناس أنه لا سبيل للوصول إلى الأهداف والحصول على الوظائف ونيل المراتب الا من خلال التزلف والتملق للنظام السياسي أو من خلال سلوك طريق الرشاوى بل حتى السرقات من المال العام والخاص ومع الوقت أصبح هذا السلوك عادة وخلق يصعب التخلص منه .

وفي الحقيقة هذه الظاهرة ليست في ليبيا وحدها ولكن في أكثر دول العالم الثالث التي ابتليت بأنظمة سياسية همها الوحيد البقاء على الكراسي والمحافظة عليها فقدمت الو لاءات على الكفاءات وشجعت المداحين والطبالين وضيقت على الناصحين والمصلحين , فلم تعد تسمح لصوت غير صوت المدح والتبجيل حتى انك عندما تستمع أو تشاهد أي محطة من محطات تلك الدول لا تسمع إلا عن أخبار الزعيم ولا ترى الا صورة القائد في كل مادة ومع كل برنامج . بينما هموم المواطن في وادي النسيان والتغافل .. وهذه السياسة يعتقد أصحابها انها ستغسل عقول الناس وتجعلهم يصدقون ما يقوله الإعلام وتغرس في نفوسهم حب الزعيم أو القائد أو الرئيس أو الملك , ولكن الحقيقة عكس ذلك .. فهذه السياسة زادت من كره الناس لهؤلاء الزعماء , وان كنت لا تصدق فاستمع إلى تعليقاتهم ونكاتهم . فالصورة الجميلة التي ينقلها الإعلام الزائف والأقلام المأجورة والنفوس المريضة يكذبها الواقع الذي يشهده المواطن العادي وتكذبها الحقيقة التي يلامسها الناس ويصطدم بها في كل يوم عندما يعيش حياة الكد والنصب والتعب ثم يرى أن الوحيد الذي ينعم بتلك الخيرات ويعيش تلك الصورة الجميلة هم الذين يزيفون الحقيقة وهم الذين ينقلون تلك الصورة الكاذبة الخادعة .

إننا اليوم في اشد الحاجة لتوعية الناس بخطر التدني الخلقي وفساد الضمائر وغياب الو اعز الديني والخلقي . إننا في حاجة إلى أن ينبه المصلحين والكتاب والدعاة على أهمية بناء النفوس وترسيخ القيم والأخلاق التي بها حياة الأمم وسعادتها في الدنيا والآخرة . وعلى الساسة والحكام وكتاب الإعلام الرسمي أن يدركوا أن هذا التزييف لن ينطلي طويل على الناس , فعليهم أن يؤوبوا إلى رشدهم ويفكروا في مستقل الأجيال القادة وأن يصححوا مسيرتهم قبل فوات الأوان . فباب التوبة مفتوح مادام في الحياة فسحة وإلا ستحلقهم لعنة الله ولعنة التاريخ ولعنة شعوبهم .  فهل من متعظ ؟