عودة للصفحــة الرئيسية         

      

لـيـــبــيا الجــــديـــد ة

 

 

 


الكلمة... لك أو عليك

نظرة سريعة إلي عالم اليوم ، فمع مطلع كل شمس يوم جديد ملايين من البشر كل يضرب في الأرض ، والكل يغدو ويلهث ، ويسعي إلي غاية بذاتها ، أو هدف محدد ، الفلاح في مزرعته ، والصانع في مصنعه ، والطبيب في مصحته ، والصحفي بين أوراقه ، والإمام في مسجده ، والناسك في صومعته ، والعابد في محرابه ، والشرطي في مخفره ، والرئيس في مكتبه ، والزوجة في بيتها تربي طفلا ، أو تعد طعاما ، أو تفكر في مستقبل أولادها ، معلمة ومربية ، وباحثة ومفكرة ، وفقيهة ، وطبية ، والطالب في مدرسته وجامعته أو كليته ، والجندي مرابط علي حدود دولته ، والطيار يحلق بطائرته ، والميكانيكي في ورشته .... و.. وهكذا فالكل يغدو .. ومهما تعددت الغايات والأهداف، لا تعدو في النهاية إلا إشباع الشهوات وتلبية للرغبات، وتحقيق للضرورات ، إما إشباع الشهوات ، شهوة البطن ، شهوة النفس ، شهوة الفرج ، شهوة التسلط ، وشهوة القوة والتملك .
القليل أدرك ووعي حقيقة وجوده ودوره في الحياة ، فأهدافه وغاياته ومبتغاة اسمي وارفع واعز من أن تكون لإشباع تلكم الشهوات ، والكثير اخلد إلي الأرض ، ولم يعي دوره وغاياته في الحياة فما له إلا أن يسعي جاهدا لإشباع تلكم الشهوات والتطلعات الأرضية دنيوية زوجة فارهة الجمال ، ومسكنا واسعا وأثاثا وثيرا ومركوب أخر الموديلات أو سمعة ومكانة ووجاهة بين القوم متسلطا معنفا وأمرا ناهيا إلا علي نفسه .

هذا الإشباع يتأتي بوسائل وطرق عديدة ، خيرها وشرها ، حلالها وحرامها ، حقها وشرعيتها أو خلاف ذلك .
والكلمة اليوم تلعب دورا هاما وحيويا في كل ذلك .. فمن خلال الكلمة سادت حضارات واندثرت أخري ، وبالكلمة قامت الحروب ، وانتهكت الأعراض ، واستبيحت الحرمات ، وقتلت التطلعات ، ونصبت المشانق وكممت الأصوات ، وبالكلمة الفت الكتب والقصص والراويات ، والقصائد الرائعة ، والأناشيد الرفيعة ، والأهازيج والأغاني الجميلة ، وبالكلمة تعالت تباشير الخير والعدل والسلام والمحبة ودعوات الأنبياء الصالحين .
فالكلمة سيف ذو حدين إما لك أو عليك ، وتتنوع مفاهيم ، وقوة وضعف ، ومصداقية الكلمة تبعا لاستخدامها ووضعها في أماكنها تبعا لتلكم الأغراض .

فهناك الكلمة الدافئة الحنونة، الكلمة الحية الراشدة، الكلمة المخلصة الصادقة، الكلمة السامية الرفيعة العميقة المعني والدلالة.. تشحذ الهمم ، وتنشئ الآمال والتطلعات وتحيها ، وتسمو بالإنسان بروحه وفكره ، ووجدانه وتعكس أحاسيسه ، وتضفي الرونق الجميل علي كلماته ، والكلمة تسدد وتقارب ، وتبني وتقوي وتعز، وترفع صاحبها إلي مقامات رفيعة ، ومكانة عزيزة ، وصحبة كريمة صادقة ...والكلمة الطيبة مثل الشجرة الطيبة ، وارفة الظلال ، جميلة الأزهار ، جذابة المحي وعزيزة المقام ، تؤتي ثمارها ولو بعد حين وهكذا ..والكلمة الخبيثة النابية البذيئة ، أشواكها حارة ، وثمارها مرة غير مستساغة المذاق ، وفروعها ملتهبة مؤذية ، تقطع الأرحام ، وتسفه الأحلام ، وتخلل أواصر المحبة والثقة ، وتفسد العقل والروح والوجدان .
وهناك الكلمة النابية القاسية، الكلمة الناقدة الجارحة البذيئة، الكلمة الخادعة والكلمة الفاسدة، والكلمة العنيفة القاتلة تلكم التي تفرق ولا توحد، تذل صاحبها ولا تعز، تفسد ولا تصلح، تهبط الهمم والتطلعات، والكلمة التي تضعف وتخور وتهبط العزائم.
فهل يعي القارئ الكريم متحدثا ، كاتبا ، ناقدا ، خطيبا واعظا مرشدا ، مدرسا ومربيا ، فنانا ومخرجا ، شاعرا ومحللا ومراقبا ، ومفكرا خطورة وموقع مسئولية الكلمة ؟.
إن اخطر قضية وأزمة تمر بها بلادنا ليس فقط الاستبداد السياسي ، وأحادية التسلط والحكم ، وليس فقط هموم المواطن ، وسعيه وكده ، وتأخر رواتبه ، وفقدان لشخصيته ومعنوياته ، ولا صور الفساد المستشري من المخدرات والدعارة المجانية ، والإفلاس في عالم الفضيلة والخلق الرفيع ، والنهب والنفاق ، وتفشي الكذب والتزوير والغش ، والتلاعب بالعواطف والعقول ، بل أخطرها وأعنفها أزمتها الفكرية والعقائدية ، أزمة إعلامها بوسائله المختلفة ، أزمة ثقافة التمجيد والتطبيل، والمديح والتزوير ، ثقافة إقصاء الرأي ، وقتل الطموحات ، ثقافة الفكر الواحد للملهم ، والمفكر والحكيم ، ثقافة استئصال الأمة عن ماضيها العريق ، ثقافة قتل الكلمة الحرة ورمي أصحابها في غياهب السجون ، ثقافة التشكيك في فكر الأمة ومواريثها الأيدلوجية ومرتكازاتها ومصادرها التي أجمعت الأمة علي صحتها ، ونبذها وكرهها للعلم والعلماء ، ونوابغ الوطن والأساتذة وحتى المواهب لم تسلم من جنوحهم ، وعداواتهم، وحسدهم التي جرت وتجر الأمة إلي خراب وتأخر لا ينفع فيه إصلاح حتي حين .
فهل يمكن للمرء منا أن يكون ديدنه دوما الكلمة الصادقة والشجاعة المخلصة ، الكلمة الحنونة الهادفة ، الكلمة الأمينة البناءة في النقل والعرض والتحليل ، الكلمة التي ترشد الإنسان لدوره الكبير في الحياة ، الكلمة التي تعين مهاجر الأوطان ، ومهاجر الأفكار والدعوات الهابطة في تحمل الأمانة العظيمة والمسئولية الكبيرة التي انيطت بكاهل الإنسان ، تلكم الأمانة التي أشفقت منها السموات والأرض والجبال وأبت أن تحملها ، وحملها الإنسان ... فدعوة للإنسان المخلص أن نتآزر ونتعاون ونتكاتف معا في مسئولية حمل وإيصال الكلمة .