الصفحة الرئيسية

   

الصفحة الرئيسية

      

لـيـــبــيا الجــــديـــد ة

 

 

 


رفض المقاومة اللبنانية في عيون الساسة والعلماء

إسلام عبد العزيز**

شعار حزب الله

نحن لا نعلم الغيب ولا نتدخل في النيات فهذا شأن من شئون الله تعالى.. لكننا نستطيع من خلال استقراء الواقع، وقراءة معطياته، واستدعاء الماضي، والوقوف على دلالاته، أن نصل إلى حكم ربما كان صوابًا في تحليلنا لبعض ما يحتار الناس في تحليله..

حزب الله من الروافض الذين هم أشد علينا من اليهود.. فلا تجوز نصرته.. ولا الدعاء له.. ولا الوقوف خلفه..

هذا ليس كلامًا مرسلاً وإنما فتوى صدرت من عالم له في ميزان العلم ثقل، وهو الشيخ ابن جبرين من كبار علماء السعودية، واحتار الناس في فهمها وتوقيتها.. أحدثت أصداء واسعة في العالم الإسلامي، ونحن هنا نحاول الوقوف على أبعادها.. فلماذا تصدر مثل هذه الفتوى في هذا التوقيت، وهل نستطيع أن نقول إنها غطاء شرعي للتصريحات السعودية الرسمية، وما مدى اتساقها أصلاً مع قواعد الإفتاء وآدابه المعروفة في الشريعة الإسلامية، وفي النهاية ما انعكاساتها على الرأي العام الإسلامي الداعم وبقوة للمقاومة؟ أسئلة كثيرة نحاول البحث عن إجاباتها من خلال هذه الإطلالة..

المقاومة فعل لا نوع

دكتور سيف الدين عبد الفتاح

استطلاع آراء عدد من علماء الشريعة والسياسة انتهى إلى رفض فتوى تخذيل حزب الله في مقاومته ضد إسرائيل، وخرج الاستطلاع بأسباب لرفض تلك الفتوى، من ذلك أن الفتوى قامت على خطأ منهجي، وهي أنها فرقت بين الفعل والنوع، فحسب ما يرى الدكتور سيف الدين عبد الفتاح أستاذ النظرية السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية أن الفتوى قامت على قاعدة غير صحيحة وهي قاعدة التفريق بين السني والشيعي.. فالأصل في المقاومة أنها فعل لا مذهب.. فالسنة يقودون المقاومة في فلسطين وفي أفغانستان وفي العراق.. والشيعة يقودونها في لبنان.. فهي مشروع أمة تريد استعادة كرامتها وعزتها، بعد أن مرغها زعماء كل همهم الحفاظ على الكراسي وتوريث العروش.

إلى أن جاءت المقاومة ففضحتهم وكشفت سترهم.. لذلك فهم يستكثرون على حسن نصر الله أن يأتي النصر على يديه، مخافة أن يصبح زعيمًا يستطيع قيادة هذه الأمة.

ومن الضوابط التي يضعها الدكتور سيف لعملية الاجتهاد في الفتوى أن تخرج فتاوى الجهاد من العلماء المجاهدين، سواء كان مجاهدًا بالسيف أو بالكلمة أو بالسعي أو بالوعي.. لا أن تخرج من أناس يجلسون في قصور مكيفة يوزعون التكفير كما يحلو لهم حسب سياسة أنظمتهم.

وطالب الدكتور سيف أمثال هؤلاء الفقهاء بالصمت قائلاً: "عليكم أن تفهموا الإسلام أولاً وإلا فاصمتوا أو تواروا عن الأعين، فذاك أكرم لكم ولأمة سئمت نبرة التخاذل والرضوخ".

نقطة منهجية

ضياء رشوان

ومن دواعي رفض هذه الفتوى أنها تخالف منهج النبي صلى الله عليه وسلم الذي تحالف مع قوى كثيرة في أوقات معينة؛ نظرًا لظروف الدعوة نفسها...

 ناهيك عن أن الشيعة أنفسهم ليسوا بكفار أو مشركين، فمعلوم أن الشيعة لهم نتاجهم العلمي والفكري على مر التاريخ، وهم جميعًا ليسوا فرقة واحدة.. كما أن المذهب الشيعي هو المذهب الخامس الذي يدرس في الأزهر مع المذاهب الإسلامية الأربعة.

وبالتالي فإن "التنطع" من بعض العلماء بمثل هذه الفتوى يخالف كل الأعراف البشرية، فضلاً عن مخالفته القانون الدولي.. الذي يؤيد المقاومة حيث كانت.. فالعدو الصهيوني لا يفرق بين سني وشيعي، ولا بين مسلم ومسيحي.. لذلك أستطيع أن أؤكد أن مثل هذه الفتوى في هذا التوقيت هي البدعة بعينها.

ويربط الأستاذ ضياء رشوان في رفضه السياسي للفتوى أن توقيت الفتوى غاية في الخطورة؛ إذ إنها تأتي في الوقت الذي استطاع فيه حزب الله الشيعي وحركة حماس السنية إطفاء فتنة طائفية مذهبية في العراق بعملهما المتوازي ضد إسرائيل.. فقد رأينا في العراق صراعًا مذهبيًّا وقتلاً على الهوية..

فجاء هذا العمل من حزب الله وحماس ليعطي نموذجًا لتقريب البُعد المذهبي بين السنة والشيعة وتوحدهما أمام العدو المحتل.

فتوى بلا تأثير

كما أنه من دواعي رفض هذه الفتوى أنه لا محل لها من واقع الناس، فمثل هذه الفتاوى لن تستطيع أن تفت في عضد المقاومة أو في الدعم الشعبي لها.. ويؤكد على ذلك بملاحظة المنتديات المنتشرة على شبكة المعلومات الدولية والتي كان يتبنى الكثير منها فكر الزرقاوي عن الشيعة، ومنها حزب الله الذي كان يطلقون عليه: "حزب اللات" وحسن نصر الله الذي كانوا يطلقون عليه "نصر اللات".. يؤكد أن نفس المنتديات بعد أن اندلعت الحرب وبزغ نجم المقاومة، ظهر فيها كمّ من الجدل والدفاع بصورة مختلفة عن الشيعة.. حتى خطاب الظواهري يرى فيه كثير من المحللين إشارات واضحة للتعاضد السني الشيعي بذكره مثلاً أسماء الصحابة بما فيهم عليّ بن أبي طالب، والحسين بن علي، وجعفر والزبير.. رضي الله عنهم جميعًا.. ولا يخفي ما تمثله هذه الأسماء بالنسبة للشيعة.. يؤكد أن الفتوى محل (الحديث حالة خاصة ومعدومة الأثر).

ويؤكد الأستاذ ضياء رشوان إلى نقطة سماها "منهجية" يجب وضعها في الحسبان في هذا الموضوع، وهي أن: "ابن جبرين أو العبيكان" أو غيرهما لا يمثلون كل العلماء السعوديين، فهناك فتاوى أخرى صدرت من علماء سعوديين تخالف هذه الفتاوى وتقضي بالوقوف خلف المقاومة - كفتوى الشيخ سلمان العودة وغيره.. فمن الخطأ تعميم الفتوى على أنها فتوى سعودية حتى لا ندخل من تقسيم السنة والشيعة إلى تقسيم علماء السعودية وعلماء مصر.. إلى آخره.

أمة واحدة

وإذا كانت هذه بعض الرؤى السياسية التي قامت بتحليل الفتوى من خلال الضبط السياسي، فإن الفتوى أيضًا رفضت من نواحي شرعية، وأهمها أن الفتوى بنت رؤيتها على الشيعة بنظرة الاختلاف التاريخي، كما ذهب إلى هذا الدكتور محمد عبد رب النبي -دكتوراة في أصول الفقه كلية حقوق عين شمس-، حيث يرى أن شيعة اليوم ليسوا كشيعة الأمس، ولا يجوز شرعًا أن تحاسب اللاحق بفعل السابق "وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى" (الأنعام: 164)، كما أن نصرة المظلومين والمستضعفين في الأرض حق تفرضه الإنسانية والإسلام علينا مع اختلاف عقائدهم وألوانهم.. فما فتحت الأندلس إلا بسبب نصرة المستضعفين هناك من قبل موسى بن نصير وهم على غير الإسلام.

ومن دواعي رفض الفتوى أيضًا أنها فرقت بين الأمة الواحدة، فيرى الدكتور عبد الله سعيد - أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، حيث أوضح أن هذه الفتوى خاطئة وليست في موعدها ولا الشرع يتطلبها ولا الوقت يحتملها.. فالمسلمون أمة واحدة والعدوان -أصلاً- على الإسلام.. والصهاينة يعتدون على المقدسات وعلى الشعوب المسلمة.. فمن يقاومها فهو مناصر للإسلام.. وإذا كنا نختلف فيما بيننا اختلافًا مذهبيًّا أو فكريًّا.. فإن العقيدة واحدة وهي لا إله إلا الله محمد رسول الله.. يؤمن بها الإيراني كالسعودي والمصري لا فرق فيها بين سني وشيعي.. واختلافنا كشيعة وسنة لا يعني أن نمكّن عدونا منا فهذه فتنة.. وعلى مدى التاريخ وقف المسلمون جميعًا في العراق، وفي أرض فارس في وجه جميع من اعتدى على الإسلام، وعلى رأسهم التتار بجميع حملاتهم والصليبيون حتى اندحروا وهزموا.. ولم نسمع أن مسلمًا قال لمسلم أنت سني لا تقاتل أو شيعي لا تقاتل.. بل وقف الجميع في خندق واحد، هدفهم إعلاء كلمة الله ونصرة دينه وهذا هو المطلوب.. وإن كانت مثل هذه الفتاوى من باب تصفية الحسابات فقد أساء قائلها وخالفه التوفيق؛ لأن هذا ليس وقت تصفية الحسابات..

وإلى نفس المعنى يذهب الدكتور محمد عبد رب النبي، حيث أكد أن الإمام أحمد قال عن الشيعة: "ما داموا يصلون صلاتنا، ويأكلون ذبيحتنا، ويحجون إلى بيت الله الحرام، فهم إخواننا لهم ما لنا، وعليهم ما علينا، حُقَّ علينا نصرتهم والذود عنهم"، وقالها من قبله الإمام علي رضي الله عنه حينما سئل عن الخوارج وما فعلوه به، فلم يخرجهم من الملة وعن كونهم إخوة في الدين، حيث قال: "إخواننا قد بغوا علينا".

فقه النص وحده غير كاف

ومن أهم الاستناد في رفض الفتوى أيضا -كما يرى الدكتور محمد عبد رب النبي- أنه يجب علينا في الاجتهاد ألا ننظر لفقه النص وحده، فالنظر لفقه النص غير كاف، وقد علمنا الإسلام أن ننصر من هم أقرب إلينا في الملة، فلقد حزن المسلمون أولاً في مكة بهزيمة الروم؛ لأنهم كانوا أهل كتاب.. ووعدهم الله بالفرح القريب وأقرهم عليه بنصرهم على الفرس "وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ" (الروم: 4 - 5)، كما أننا نعين النصارى في قتالهم ضد اليهود؛ لأنهم أقرب إلينا مودة بشهادة القرآن {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} [المائدة: 82]، والحكم هنا على عموم اللفظ لا على خصوص السبب.. فإذا كان الإسلام علمنا هذا مع من يخالفونا في الملة فمن باب أولى أن تكون النصرة لمن ينتمون لديننا ويؤمنون بربنا ويصدقون نبينا، ويصلون صلاتنا..

ولا يمكن أن نحكم عليهم في ضوء فقه النص وحده دون أن نربطه بفقه الواقع.. والواقع يقول بوجوب نصرتهم ومد يد العون لهم ضد أعدائنا أجمعين.


** سكرتير تحرير مجلة التبيان المصرية.

عن إسلام اونلاين