الصفحة الرئيسية

   

الصفحة الرئيسية

      

لـيـــبــيا الجــــديـــد ة

 

 

 


 

الخطة ( ب ) 2
مقاربات في الإصلاح والنهوض

من الثورة إلى الدولة ومن الأجندة المرحلية إلى الرؤية المستقبلية


بقلم : صلاح الشلوي
salahelshalwi@hotmail.com



في المفاهيم :
تمثل مسألة تعريف أو تحديد المفاهيم مرتكزا مهما في أي عملية معرفية، إذ لابد من أن يكون واضحا بين أطرافها المختلفة ما هو المقصود من تلك المصطلحات وما هي طبيعتها وحدودها، بحيث يتحدد وبشكل واضح، والا ينضوى تحتها ما يخرج من إطارها ويفارقها، ومن هنا فإن هذه المقاربات تتضمن جملة من المفاهيم التي تحتاج أن يدور حولها بعض الكلام كي لا تلتبس الأمور وتستخدم في غير النسق الطبيعي لها.


 المقاربة كمفهوم: تمثل محاولة للوصول إلى أقرب نقطة ممكنة من الشيء المراد الوصول إليه، سواء أكان هذا الشيء محسوسا كمنزل مثلا فنصل إلى اقرب نقطة منه إن تعذرعلينا لسبب أو لأخر الوصول إليه مباشرة، أو كان الشيء المراد الوصول إليه معنوي كنصر حربي أو
تفوق في امتحان أو جودة في الرأي والتدبير والتخطيط أو تحول مثلا كما في حالتنا هذه من حالة ووضع معين نطلق عليه مثلا مرحلة ثورة بما لها وعليها إلى مرحلة تالية ومتقدمة نرى أنه من اللازم أن تأتي بعدها حتى وإن تأخر بعض تأخير من مسمى مرحلة الدولة بما يراد لها أن تكون عليه، فإننا بدون شك نحاول أن نقترب من مرحلة الدولة قدر الإمكان على طول المسار بينها وبين نقطة الإنطلاق والمتمثلة في الثورة التي نسعى أن نفارقها ونقترب شيئا فشيئا تجاه مرحلة الدولة. وأسلوب المقاربة من الأساليب الواقعية التي اتبعها القرآن المجيد في مخاطبة الإنسان فأحاله بشكل واضح إلى المقاربة حتى في عبادة خالقه فقال عز من قائل" فاتقوا الله ما استطعتم" فأحاله بذلك إلى مقاربة وليس شيئا مطلقا، أي كونوا أقرب شيء ممكن من التقوى واستفرغوا وسعكم في أن تقتربوا منها بحسب جهد وطاقة كل منكم، وحتى في البعد المعرفي يعتمد القرآن على اسلوب المقاربة عن طريق ضرب الأمثال وعلق أمكانية الإفادة منها على جودة الذهن وحصافة التفكير عند نوع خاص من البشر وصفهم بأنهم أولى الألباب.. ففي معرض بيان طبيعة عيسى بن مريم عليه السلام طرح مقاربة ذهنية وضرب مثلاً بخلق آدم عليه السلام وإن كان هناك اختلاف، وفي معرض بيان قيمة الحياة الدنيا قدم له مقاربة عن طريق ضرب الأمثال وقال له " إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء... الآيات" فهل يعني هذا ان يقول عاقل بأن الحياة عبارة عن مطر! كلا بل هي مقاربة، وهكذا توسع القرآن في أسلوب المقاربة لأنه أسلوب يقرب الصورة الذهنية من الواقع المعاش فقال" ولقد ضربنا في هذا القرآن للناس من كل مثل" نظرا لمناسبة هذا الأسلوب للعقول السليمة والفطر الصحيحة، ثم أزرى بمن لا يقبلون هذه المقاربات ولا يعقلون من ضرب المثال شيئا ويسخرون من هذا الاسلوب أو يعكسون المقصود من عملية ضرب المثال للشغب على الحقائق بقوله" انظر كيف ضربوا لك المثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا" وقال " وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون". وعلى هذا الأساس نلجأ هنا إلى أسلوب المقاربة تحاشيا لإطلاق المجازفات والوعود الوردية ورغبة في أن نبقى دائما في حدود واقعنا الذي نعيشه ولا نطلق للخيال العنان ليتوهم أن الصورة الذهنية هي ما نعيشه في الواقع، كلا هذا لم يعد يفيد في شيء!، وهو اسلوب اربك الأمة في المرحلة الماضية، فالمستهدف في هذه المقاربات اليوم هو طرح جزء من التصور كي يقربنا إلى اقصى مدي وأقرب شيء لما نريد، حتى لو كانت صورة غير مثالية كما يحب البعض أن يطرح افكاره فيها، وكأنه يريد أن يقول لنا يجب أن يتحقق لي كل ما أريد ولا أقبل بأي شيء دون ذلك!، لذلك نقارب هنا كي لا نزعم أننا نملك الحل الكامل أو الحل السرمدي إنما عند كل طرف جزء من الحكمة وعند كل منا جزء من الحل، ولا يوجد طرف لديه الحل الكامل السرمدي.
 

 مفهوم الثورة: أيضا قد يثير بعض الحساسية عند كل الأطراف!، سواء هؤلاء الذي لا يريدوا ان يعترفوا بأن ثورة ما قد حدثت ليلة الأول من سبتمبر 1969م! ويريدوا ان ينعتوها بالانقلاب ويروق لهم ان يدخلوا انفسهم في معركة مصطلحات قد لا تكون مهمة بأي حال لنا اليوم ان ندخل فيها حتى لو اصروا ان يتمسكوا بالأسماء دون النظر إلى واقع الحال، أما في هذه المقاربة فإن الثورة حدثت بالفعل في حينها تستند في الواقع إلى شرعية ثورية وظفها قادتها في حق المبادرة لإحداث التغيير السياسي للنظام الملكي الذي كان قائما في ليبيا، ولم يحدث أي اعتراض شعبي على تلك المبادرة، إلا من بعض من ارتبطت مصالحهم وولائهم العاطفي بذلك النظام، بل رأينا حماسة منقطعة النظير من قبل النخب والشارع الليبي وتعاطف مع الثورة لا يمكن ان تكون قيادة الثورة يومها هي من صنعتة بل هو شعور الشارع بأن التغيير كان مطلب ليس فقط بسبب فساد النظام الملكي الذي علق عليه الملك نفسه -عليه رحمة الله- في ما نشر عنه تحت عنوانا" لقد بلغ السيل الزبى!" معلنا أن الفساد دمر الدولة وأنه يقف عاجزا عن فعل أي شيء حياله!، وذلك بشهادة رئيس وزرائه مصطفى بن حليم الذي ذكر القصة في مذكراته وعلق بأن النظام فعلا كان فاسدا، ولكن التغيير كمطلب لم يكن لهذا السبب فقط بل لأن المنطقة بعد النكبة التي قادها إليها جمال عبد الناصر- عليه رحمة الله- كظاهرة تعبوية خارج النسق الذي كانت تعيشه الأمة، ومن خلال شعاراته ووعوده وطموحه ومغامراته في اليمن وسوريا غير المحدودة، وسلسلة الثورات في المنطقة وتهاوي الكثير من العروش في العراق ومصر وتهاوي أركان نظام الإمامة في اليمن، أجج كل ذلك الحماس والتطلع إلى التغيير في نفوس أبناء الجيل الذي عاصر كل هذا الحراك، وكانت هناك أكثر من مجموعة- وصل عددها إلى الأربع- في الجيش كانت تدبر لتحرك لإحداث التغيير بما فيها ما كان يعرف باسم إنقلاب القصر الذي كان يدبر له مجموعة الشلحي، استطاعت مجموعة الضباط الوحدويين الأحرار بقيادة الملازم ثاني معمر القذافي أن تأخذ بزمام المبادرة وتحدث التغيير، وهذه مسألة تاريخية إنكارها يعتبر إنكارا للمحسوسات الأمر الذي يعتبر معيبا من الناحية العقلية، التفت النخب حول الثورة وشاركت في البنى السياسية التي استحدثتها من الإتحاد الإشتراكي فالحكومة برئاسة الأخ العقيد نفسه باسماء مثل المناضل الطاهر الشريف بن عامر وغيره، ثم تعاقبت الوزارات المدنية وشارك فيها شخصيات معروفة مثل الدكتور منصور الكخيا-فرج الله كربه إن كان حيا- الذي شغل منصب وزير الخارجية ثم ممثلا لليبيا في هيئة الأمم المتحدة، مما يعنى أعترافا بشرعية النظام، ولم يكن مطروحا على الساحة الليبية أي حديث عن عدم المشروعية، حتى من كان يعارض سياسات الثورة وممارسات الأخ العقيد لم يكن يتحدث عن عدم اعتراف بالوضع السياسي القائم، ولم يتفرد الكخيا بهذا الموقف بل شاركه العديد من رجال المعارضة وقادتها حينها من أمثال الدكتور محمد المقريف الذي كان يشغل منصب رئيس ديوان المحاسبة لفترة وإن لم يكن مركزا سياسيا إلا أنه مركز فني تقني حساس لا يعقل أن يشغله شخص لا يقر ويعترف بشرعية النظام القائم، وإلا كان كمن يراقب للصوص أموالهم ويحرصها لهم من أن تنهب!، ثم بعد ذلك شغل منصب سياسي متمثلا في سفير ليبيا لدى الهند وهو موقع سياسي لا يعبر صاحبه من خلاله عن اعترافه بشرعية النظام فقط!، بل يتجاوز الإعتراف بالشرعية إلى القيام بتنفيذ سياسات وتكتيكات النظام اليومية وتمثيلها والدفاع عنها واستمر هذا في هذا الموقع حتى مطلع الثماننيات، أي حتى حين كان النظام قد استكمل التجربة كاملة، وبعد أن حصلت كل الممارسات التي يعارضها اليوم سواء من تصفيات جسدية للخصوم السياسيين والعسكريين ومدنين من طلبة و ضباط أوغيرهم، واعلان سلطة الشعب وانطلاق تجربة المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية قبل ذلك بثلاث سنوات وصدور فصول الكتاب الأخضر الثلاثة كاملة، كل هذا حدث وقادة المعارضة كانوا يشاركون في الحكم أي يقرون بالشرعية الثورية كأساس للتغير السياسي الذي حدث في ليبيا والإنتقال من الملكية إلى الجمهورية ثم إلى الجماهيرية في نهاية المطاف، بل إن البعض كان يشغل مراكز أكثر حساسية في السفارات كملحق عسكري مسؤول عن تنفيذ سياسات النظام الأمنية في البلد الملحق به وليس فقط السياسات العامة. والثورة كما عبر عنها الأخ العقيد معمر القذافي في لقاء له مع المنتجين والإتحادات المهنية كانت ثورة الجنود لأنه قادهم وتحرك بهم لإحداث التغيير في معرض حديثه عن ثورة المنتجين وثورة الطلاب فسمى التحرك ليلة الأول من سبتمبر بثورة الجنود!!، إذا فهي ثورة قامت بها فئة محدودة من أبناء الشعب الليبي، أعطتهم الشرعية الثورية حق المبادرة والتحرك لإحداث التغيير، ولكنها لا تعطيهم حق فرض إرادتهم ولا أفكارهم بعد ذلك على الشعب، وإذا حدث هذا فإنها ستكون قد ارتكبت خطأ ينبغي لها أن تتداركه إن ارادت أن تستمر في تطورها الطبيعي لتنتقل بعد ذلك إلى مرحلة تالية لها وهي الدولة كي تكون الثورة حدث مفصلي وإيجابي وخطوة تصحيحية فعلا في تاريخنا السياسي وليست مجرد مغامرة للإستيلاء على زمام الأمور واحتكار السلطة، ولأن رجال الثورة بطبيعة الحال التي جاؤوا بها كان لديهم برنامج تغيير ولم يكن لديهم مشروعا للحكم كما يعبر عن ذلك دائما الأخ العقيد نفسه كلما تعرض للكلام عن الحاكم والحكومة وما إذا كان يعتبر نفسه حاكما ورئيسا للدولة!! أما إذا اصروا على ذلك فسينفض الناس من حولهم ويضطروا لتوظيف الدبابات والحراب والبوليس السياسي لسحق إرادة شعبهم واستعباده، وإذا ما أرادوا أن يجنبوا بلادهم هذا المصير المريع فيمكنهم أن يدفعوا بالبلاد نحو مرحلة الدولة ويتفرغوا لمهمة الرقابة وحماية هذا الخيار من أن يسطوا عليه أحد، واليوم تبرز مسألة الشرعية الثورية كقضية تحتاج لنقاش عميق وموضوعي لا لنسفها وتجاهلها ولكن لوضعها الموضع المناسب لها وسط خيار الدولة إن كان هناك فعلا وعي وعزم بضرورة الإنحياز إلى خيار الدولة.
 

مفهوم الدولة: الدولة مشروع شراكة بين أطراف ثلاثة أو مجتمعات ثلاثة تعمل متظافرة الجهود متآزرة متكافلة يكمل بعضها بعضا دون تناقض أو نزاع هي المجتمع الأهلي- أو المدني- وهو الأساس، والمجتمع السياسي وهو الإدارة العامة- والمتمثلة في اللجان الشعبية والمؤتمرات الشعبية عندنا- وكل الفعاليات السياسية المختلفة، والمجتمع الإقتصادي أو السوق بشركاته مؤسساته ونشاطاته المختلفة، لا يمكن أن تفصل هذه المكونات الثلاثة عن بعضها البعض بشكل كامل بل يظل هناك مساحات متداخلة بشكل أو بأخر بينها، فالحكومة لها مسؤولية إجتماعية لا يمكنها أن تدير الدولة دون اعتبارها ومن ثم فالسياسات التي تعتمدها وتنفذها ينبغي أن تراعي هذا الدور، كذلك السوق لا يقبل أن ينطلق في استثمارات جشعة تدمر المجتمع وتزدري بموروثه الحضاري، وتتسبب في دمار البيئة من حوله، وهنا يجد المجتمع نفسه مضطرا للضغط على السوق كي لا يخرج نشاطها إلى حد الإضرار بمصالح المجتمع ومن ثم مصالح الأجيال القادمة، فالسوق مسؤول عن عمليتين أساسيتين جوهريتين في المجتمع هما إنتاج الثروة وإدارتها، وهما من العمليات الحيوية والهامة وبالتالي يجب أن تخضع بكل الموازين لموروث المجتمع الحضاري كي تحققا وتخدما فعلا مصالح المجتمع، لأن المقصود من عمليتي إنتاج وإدارة الثروة في نهاية المطاف هو تحقيق الرخاء والرفاهية لأبناء المجتمع، فأي عملية أو نشاط اقتصادي لا يخدم هذه القضية هو نشاط وعمليات هدامة ينبغي على أبناء المجتمع أن يتصدوا له ولا يتركوا له أي مجال. والدولة كمؤسسة إجتماعية ترتكز على مفهوم المواطنة التي يتقرر في ضوئها منظومة الحقوق وتحدد الواجبات تحت مظلة الموروث الحضاري للمجتمع وما ينطوى عليه من قيم ومثل كمرجعية ثقافية ودستورية عليا وحيدة لأبناء المجتمع الليبي، ومن ثم يتقرر في ضوئها الحسن والقبيح والمقبول والمرفوض والمشروع وغير المشروع والصواب والخطأ والعيب، دون ان تفرض على المجتمع أي بضاعة فكرية غريبة عنه ولا تنسجم مع تطوره الإجتماعي منذ بزوغ فجر الإسلام في ربوعه على أيدي الفاتحين الميامين منذ النصف الأول للقرن الهجري الأول، ومن هنا فالتراضى والتوافق هما قاعدة العمل الوطني المطلوب للتحرك نحو الدولة على أساس أننا في حاجة لعقد اجتماعي جديد يقوم على أساس الإنصاف والتسامح لنتجاوز كل حزازات الماضى، ولكي يفوز الجميع، ونؤسس للإستقرار السياسي والإجتماعي الحقيقي، مما سيعزز بدوره الجبهة الداخلية في قبالة ما يجتاح المنطقة اليوم من مخاطر المشاريع الإمبريالية في طورها الحديث، وبما يمكننا من الإفادة من الفرص السانحة.
 

 مفهوم التحول: أو الإنتقال من طور الثورة وهي مرحلة امتدت لما يناهز عقود ثلاث واليوم الجميع يشعر بالحاجة لهذه النقلة- وعلى رأسهم القيادة السياسية العليا- وأهمية هذه النقلة عند هذا المنعطف الذي تمر به البلاد، وهذا التحول يمثل مرحلة طبيعية في مسار التاريخ السياسي الليبي إن كنا فعلا نريد ان نصل إلى حالة الإستقرار الحقيقي كمقدمة وضرورة لحدوث التنمية المستدامة والنمو الإقتصادي ومواجهة التحديات واغتنام الفرص وتوظيف القدرات والإماكانات البشرية والمعنوية – الموروث الحضاري- المادية موارد طبيعة وموقع إستراتيجي، لردم الهوة واللحاق بالعالم في مرحلة ما ثم المشاركة والإضافة بعد أستيعاب الإنتاج المدني الذي وصلت إليه البشرية اليوم. هذا التحول سيجعل من الدولة إبنة شرعية للثورة، أما غير ذلك فسيعود بنا إلى المربع (1) وهو ما لا نود الرجوع إليه، ليس لأننا لا نحب ذلك فقط بل لأنه لم يعد هناك متسع من الوقت لأي مغامرة أخرى إلى المجهول، إن وصف ما نراه على المشهد السياسي والإجتماعي الليبي منذ عقود ثلاث بأنه استقرار سياسي عبارة عن غلط أو مغالطة!! إذ لاعلاقة له بالإستقرار من قريب أو بعيد بل هو عين الركود السياسي ، لأنه وضع سياسي نتج عن سياسات ومواقف الأطراف المخلتفة بعضها بالتهميش والإقصاء والإستئصال للآخر، وبعضها بالمنابذة والإنكفاء على الذات وغلق كل النوافذ ورفض الحوار، انتج هذا الوضع علاقات قوامها الصدام والعنف أحيانا والفراق والعزلة أحيانا أخرى، وغالب من شارك في العملية السياسة كان بدافع الإكراه دون أن يكون قادر على أن يختار بين المشاركة من عدمها، الأمر الذي يحتاج فيه الجميع أن يراجعوا أنفسهم ويقفوا عند مسؤوليتهم الوطنية والتاريخية بكل شجاعة، وأن يكسروا الأطر القديمة الضيقة ويتحرروا منها لأنها غير مجدية خاصة عند المنعطف الراهن في تاريخ القضية الوطنية المعاصر.


 المعارضة السياسية: تمثل قضية المعارضة السياسية أيضا نقطة جدل بين كل الأطراف، فبينما يجرمها النظام على اعتبار أنها لا تعني شيء سوى الخروج على الوضع القائم ونقض أسس وأركان المؤسسة الإجتماعية ومن ثم اشاعة الفوضى أو العمالة للعدو، وتختزل في الطرف المقابل في قوالب وأشكال ومواقع جغرافية محددة!! فالمعارض هو رجل متجهم غاضب رافض لأي شكل من التعاطي مع النظام القائم ومقيم خارج ليبيا على أساس أن داخل ليبيا لا يمكن أن تكون ثمة معارضة سياسية، فضاع مفهوم المعارضة السياسية الإيجابي والواسع بين الجافي فيه والغالي عنه وهما طرفي نقيض للأسف الشديد، إن المعارضة السياسية هي فكر سياسي وطني أولا وقبل كل شيء يعتمد في منطلقه على واقع المواطن الليبي ويدور حول حاجاته ومصالحه وكيفية تحقيقها بغض النظر عمن تتحقق على أيديهم هذه المصلحة هذا أو
لا، ثم هي موقف إيجابي يقيم الواقع ويتعامل معه بشكل تفصيلي ويبتعد عن التعميم، ينطلق من خيارات وحسابات وطنية ويوازن بشكل صحيح بين المصلحة الوطنية العليا ولا يقبل أي خلاف عليها أو حتى تميعها وسط احتدام الجدل والخلاف السياسي حتى في وسط غبار الفوضى لا يقبل أي اضرار بها مهما تحمل من ضيم وتجاوز عن خلاف، يعرف كيف يحدد إحداثيات موقعه السياسي عند كل منعطف من منعطفات القضية الوطنية، ويتنازل لبقية الفرقاء السياسين الليبين من أجل تعزيز الجبهة الداخلية وبالتالي مصلحة الوطن العليا لا خوفا من سيف المعز ولا طمعا في ذهبه، يفاوض إن كان ثم شيء يستحق أن يفاوض من أجله لتحقيق مصلحة وطنية راجحة يلتقى عليها شمل الجماعة الوطنية الواسعة مهما اختلفت الرؤى والمواقف السياسية، لا يتعامل مع التضحيات كمناحة ولطيمة مثل مناحة ولطيمة الشيعة على الحسين رضى الله عنه فبعد أن دعوه ليتتقل إليهم خذلوه ولم يكتفوا بأن يسلموه لخصومه بل رفعوا عليه السيوف وذبحوا آل بيته ثم ندموا فهم يلطمون أنفسهم ليل نهار بغية تصحيح خطأ التاريخ ولات حين مناص، كلا فتضحيتنا كانت في وقتها لتكون جزء من الحل أما محاولة ترحيلها من التاريخ وجلبها إلى وقائع المشهد السياسي الراهن وجعلها جزء من المشكلة بدعوى أنه ما دام قد بذلت تلك التضحيات فلا تفاوض ولا سلم!! وليفني أحد الفريقين أو الطرفين خصمه فهذا خيار الدمار ولا علاقة له بالمعارضة السياسية الإيجابية في شيء، قد يعارض السياسي حتى القرار الشعبي إذا كان يرى أنه يجانب الصواب وليس هو بذلك خائن لشعبه بل هو ناصح أمين، وتاريخ الأنبياء والمصلحين مما قصه علينا القرآن خير شاهد، نعم المعارض لا علاقة له بالموقع الجغرافي إذ ليس بالضرورة أن يكون في عاصمة أوروبية او أمريكية كي يكتسب هذه الصفة بل ربما يكون في شوارع بنغازي وطرابلس ومصراته والبيضاء ودرنة وغدامس والكفرة ويتكلم في حدود ما يشاهد ويعيش من واقع، فما لم يقلب الحق باطلا والباطل حقا فهو مواطن ليبي حقيقي وليس لأحد أن يحدد له طريقة بعينها كي يكتسب صفة المعارضة السياسية أو سواها، كما أنه في معارضته ليس بعميل ولا خائن لوطنه حتى لو خالف مقررات المؤتمرات الشعبية إن رأى فيها ما يعيب، والقول بأن مخالفة مقررات المؤتمرات الشعبية خيانة يعني تأليه هذه المؤتمرات ونوع من الدوغمة المرفوضة التي يحاول البعض من خلالها تجهيل الناس والوصاية عليهم ربما كي لا يتفطنوا لما قد ينجروا إليه تحت الكثير من المؤثرات بل يجب ان يكون هناك مجال أن يعارض الناس أو يوافقوا بملء إرادتهم إن اردنا فعلا أن نوجد حراكا سياسيا حقيقيا في البنية السياسية القائمة، إذا فمن السطحية ومحاولة تزييف الوعي أن يحاول البعض أن يقول أن أي معارضة سياسية هي خيانة للوطن وعماله للعدو، بنفس القدر يحدث هذا التزييف بالزعم أن المعارض السياسي هو فقط من يتواجد في لندن أو واشنطن أو باريس دون سواها تحت زعم سطحي بأنه لن يكون في مقدوره أن يفعل من داخل البلاد ما يفعله هؤلاء في شوارع تلك العواصم إمعانا في تزييف الوعي بأن هذا هو فقط الشكل الوحيد للمارسة السياسية وغيرها لا علاقة له بالسياسة، إن المعارض السياسي مواطن له فكر وموقف ومستعد ان يتحمل مسؤوليته السياسية والتاريخية كاملة في كل تصرفاته تجاه القضية الوطنية، فهو يتحمل غنمها وغرمها، ويرفض كل المزايدات التي ترفع من هذا الطرف او ذاك على الوطن والوطنية والمعارضة السياسية، وهو في فعله هذا لا يعادي أي طرف مهما اختلفت وجهة النظر ومهما كان الموقع السياسي للمخالف بل الجميع وطنيون والجميع حريصون على ليبيا سواء بسواء حتى في حالة الخيارت الخاطئة غير المقصودة .

هذه أهم المفاهيم التي قد يلتبس فيها الفهم في هذه المقاربة كان من المهم الحديث حولها كي لا يحدث بعدها أي تزييف في الوعي بالتاريخ السياسي المعاصر، ولا يستدرج جيل الشباب اليوم إلى معارك ليست حقيقية، ولا تفرض عليه التركة النفسية المثقلة بالحزازات المتراكمة عبر العقود الثلاثة الماضية، ولكي يستحدث تفكيرا إيجابيا جديدا بعيدا عن عقد الكبار ومعاركهم والطريق المسدود الذي وصلوا إليه، في وقت هم أحوج ما يكونوا فيه إلى تفكير خارج تلك القوالب الجامدة التي وضع الكبار أنفسهم بداخلها وقدسوها كأنها وحى منزل، مما لم يعد يخدم اليوم أي مصلحة لليبيا، وسنتعرض في الحلقة القادمة لجانب مما يحتاجه شبابنا من منطلقات وسياسات ليتحقق على أيديهم الخير لبلادهم بإذن الله.
الحلقة القادمة ستكون حول الأسس والمنطلقات والسياسيات، إلى أن نلتقى
دمتم بعافية.. مع أطيب الأماني... السلام عليكم

صلاح الشلوي
salahelshalwi@hotmail.com