لم يعد الهدوء قادراً على التسلّل إلى المدينة التي تحتضن في أحشائها
رفات "أسد الصحراء"، و"شيخ المجاهدين" عمر المختار، منذ أحداث "الجمعة
الدامية". فالأحداث التي وقعت أمام القنصلية الإيطالية في بنغازي،
وأودت بتسعة من أبنائها الذين دفنوا في "مقبرة الشهداء" على مقربة من
ضريح شيخ الشهداء؛ كانت على ما يبدو إيذاناً بمنعطف له ما بعده.
وها هي "برقة الهادئة"، كما أرادها الجنرال الإيطالي غراتسياني، وحاكم
إيطاليا الفاشستية موسوليني، ومدينة "البيان الأول" كما يحبّ أن
يسمِّيها العقيد معمّر القذافي؛ تعيش هذه الأيام على "كفّ عفريت"، كما
يقول الليبيون، رافضة الانصياع إلى أوامر السلطات التي نزلت بعتادها
على نحو لم يسبق له مثيل منذ انقلاب سبتمبر قبل ما يدنو على العقود
الأربعة، والذي جاء آنذاك بالعقيد معمر القذافي ليستمر على رأس الحكم
بوصفه "قائد الثورة" على مدى سبع وثلاثين سنة.
بنغازي تتحوّل إلى ثكنة عسكرية
مئات الجنود من ذوي القبعات الحمراء والزرقاء، ومثلهم من قوات "الدعم
المركزي"، وهي القوات نفسها التي ارتكبت خطأ جسيماً عندما قرّرت فتح
النار على مظاهرة 17 شباط (نوفمبر) الماضي، افترشوا واجهة المشهد في
بنغازي، في ما انتشرت عشرات من الآليات العسكرية والمدرّعات أمام عدد
من المصالح الحكومية، والمباني التي بدا عليها واضحاً آثار أعمال الحرق
والتحطيم التي لحقت بها له خلال الليالي الثلاث الماضية.
وعلى الفور؛ قرّرت السلطات الليبية إخضاع مدينة بنغازي الواقعة على بعد
1000 كم شرق العاصمة طرابلس، إلى إدارة عسكرية، وفرضت حظر تجوال بعد
الساعة الثامنة من مساء الاثنين (20/2).
وبحسب شهود عيان؛ فإنّ متظاهرين غاضبين تمكّنوا لليوم الثالث على
التوالي، من حرق الأجزاء الخلفية من مستشفى الجلاء للحوادث (المشفى
الرئيس في المدينة الذي يُعالج فيه حالياً المصابون والجرحى، في ما
تمنع السلطات حتى الآن الناس من ولوجه خوفاً من التصعيد)، ومركز شرطة
منطقة "راس عبيدة"، وأخرجوا منه الموقوفين، ومركز شرطة "المدينة" وسط
بنغازي. وحطمت الجماهير كذلك عدداً من مقارّ اللجان الثورية، المعروفة
باسم "المثابة"، إلى جانب حرق مبنى البحث الجنائي في شارع جمال عبد
الناصر، ومحكمة جنوب بنغازي.
وفي ما يتواصل مسلسل الغضب العفوي؛ فإنّ عدداً من أهالي المدينة أوضحوا
في اتصال مع "قدس برس"، أنّ انتشاراً واسع النطاق للكتائب الأمنية
وقوات الصاعقة، مثل كتيبة "الفضيل بوعمر" من بنغازي، "وكتيبة الساعدي"
من مدينة سرت، و"كتيبة الجارح" من البيضاء، بدا ملحوظاً في غضون ذلك،
وأضافوا أنّ "قوات هذه الكتائب طوّقت جميع أماكن المظاهرات، بما فيها
المراكز الأمنية والمشافي ومحاكم بنغازي".
ويؤكد عدد من مسؤولي المدينة، بأنّ بنغازي تعيش حالياً تحت "إدارة
عسكرية"، يقودها اللواء العسكري عبد الفتاح يونس، الذي أوقف جميع
صلاحيات المسؤولين المدنيين، وأعطى الأوامر لقواته بالانتشار في أنحاء
متفرقة من المدينة.
كما رفعت السلطات الليبية درجة الطوارئ في مدينة بنغازي إلى الحالة
القصوى، واستنفرت قوى الأمن من كل جانب، في ما يؤكد شهود عيان أنّ
أوامر بإطلاق النار قد أُعطيت بالفعل، وبدأ صوت الرصاص يُسمع بوضوح في
أنحاء متفرقة منذ مساء الأحد (19/2).
وأخذت شركة المدار (شركة الهاتف النقال الحكومية) في بث رسائل متتالية،
وبواقع خمس دقائق لكل رسالة، تندِّد بما حدث، جاء في بعضها "ما يحدث من
محاولة شغب من قلّة تافهة لن يؤثر في جماهير مدينة البيان الأول للثورة
العظيمة"، وأخرى تقول "لن يستطيع المرتبطون بالدوائر الاستعمارية
الصليبية استغلال جماهير بنغازي لتحقيق أطماعهم"، في إشارة إلى معارضي
النظام الليبي في الخارج.
وكشفت المصادر ذاتها أنّ سلطات الأمن اعتقلت منذ ليلة الاثنين، ما
يقارب 170 شخصاً، نُقلوا بسرعة عاجلة إلى العاصمة طرابلس، دون أن تُعرف
الأسباب التي دعت إلى تسفيرهم إلى هناك بهذه السرعة. غير أنّ الأهالي
قالوا إنّ هناك تخوفاً حقيقياً من هجوم المواطنين على عدد من مراكز
الاعتقال، في محاولة منهم لتحرير المسجونين، كما فعلوا ليلة البارحة.
كما بثّت إذاعة بنغازي، برامج متواصلة طيلة اليومين الماضيين، وطالب
أعضاء من "القيادات الشعبية" من الجماهير الغاضبة "الحرص على مصلحة
الوطن"، وعدم الانجرار وراء "المخططات الخارجية التي تُحاك ضد البلاد"،
مطالبين الجماهير بعدم الاعتداء على مقارّ الدولة الرسمية. وكرر عدد من
مسؤولي "القيادات الشعبية" اعتذارهم إلى أسر الضحايا وسكان المدينة،
لما أقدمت عليه قوات الشرطة من إزهاق لأرواح أبنائهم.
إحراق صورة العقيد القذافي
وقال مصدر مقرب من عائلات الشهداء لـ "قدس برس"، إنّ اللواء سيد قذاف
الدم (ابن عم العقيد القذافي)، منسق عام القيادات الشعبية الاجتماعية
الذي يراقب الأحداث عن قرب منذ تفجرها يوم الجمعة الماضية (17/2)؛ قام
بتقديم التعازي لأسر الشهداء، كما قدّم مبالغ مالية أوليّة تقدر بـ
(10) آلاف دينار ليبي لكل عائلة، ووعدهم بتقديم المسؤولين عن الجريمة
للتحقيق العادل.
أحداث العنف هذه ولّدت ردّة فعل عكسية لدى الأجهزة الرسمية الليبية،
التي أخذتها الدهشة من الغضب العارم الذي اكتسح جميع أجزاء بنغازي،
فقرّر مسؤولوها قطع كافة الاتصالات الهاتفية، في ما أوقفت شركة "ليبيانا"
للهواتف النقالة، والتي يرأسها نجل العقيد القذافي محمد، كافة
اتصالاتها.
لكنّ الحدث الأكبر، كما روى عدد من الشهود، يتمثل في سابقة الإحراق
العلني لصورة كبيرة للعقيد القذافي بمنطقة الكيش في بنغازي، حيث تجمّع
حشد كبير من المتظاهرين، وأسقطوها وجرّوها بالسلاسل بسياراتهم، في مشهد
كأنهم أرادوا أن يعيدوا به للأذهان "يوم سقوط تمثال صدام حسين"، وكتبوا
عليها "لا حياة بلا كرامة، ولا كرامة بلا حرية".
ولم تتوقف الأحداث يوم الاثنين، على مدينة بنغازي، فقد انتقلت شرقاً
إلى طبرق، التي أقدم فيها عدد من المتظاهرين ليلة الاثنين على حرق مبنى
الخدمة العامة، وأمانة المرافق، وألحقوا أضراراً جسيمة بمبنى المصرف
العقاري، والبريد الرئيس، وطردوا رجال الشرطة، الذين أصابهم الذهول.
ويقول مراقبون، إنّ تصعيد الأحداث على هذا النحو الخطير، وما قابله من
تحرّك مكثف لقوات الردع الخاصة؛ قد ينذر بسقوط عدد كبير من الضحايا،
وهو ما حذّرت منه جماعة الإخوان المسلمين الليبية في بيان لها، طالبت
فيه السلطات الليبية "بمعالجة أسباب الأزمة وإنهاء حالة الاحتقان، بدلاً
من استعمال العنف والقوة".
واعتبرت الجماعة أنّ أسباب هذا التصعيد من قبل الأهالي مردّه "كبت
الحريات العامة، وسوء الأوضاع الاقتصادية التي أعوزت الناس وأفقرتهم"،
محذِّرة السلطات الليبية بأنّ "معالجتها الأزمة عبر الحلول الأمنية
واستعمال أسلوب القوة، كما جرت العادة؛ لن يزيد إلاّ من توتر الأوضاع
وتفاقمها، وسقوط المزيد من الضحايا الأبرياء"، وفق تحذيرها.
بنغازي الراقدة على سواحل شمال ليبيا في هدوء، والتي شهدت انطلاق
البيان الأول لثورة الفاتح من سبتمبر عام 1969؛ تنام وتصحو هذه الأيام
على أصوات الرصاص، وسط تكتم إعلامي ليبي لم يسبق له مثيل، ولم يجرؤ فيه
حتى الآن أي مراسل لصحيفة أو قناة عربية أو دولية من دخول المدينة
وتغطية الحدث، رغم أنّ جميعهم بات يُدرك على الأرجح أنّ ما يجري لن
يكون سحابة صيف، طالما أنّ الأمر يتعلق بشتاء سياسي عاصف.
قدس
برس - 24
/2/2006