على هامش كلمة ليبيا في
الجمعية العمومية للأمم المتحدة
الذي تابع كلمة كل من الرئيس الإيراني نجاد
والرئيس الفنزويلي شافيز في الجمعية العمومية
للأمم المتحدة، يدرك تماما أن سر قوة كلا
الكلمتين يكمن في احترام الرجلين لأنفسهم
لأنهما يعيشان وسط أمتين تحترمان نفسيهما قبل
أن تطالب الآخرين باحترامهما.
ينبغي علينا وقبل أن نقترح أي إصلاح على
الآخرين أن نريهم جديتنا في التوجه إلى
الإصلاح الحقيقي الجاد على أرض الواقع في
دولنا!! لا أن نريهم التفافا ومناورات تحيل
الكلام عن الإصلاح جزءاً من عملية الفساد
نفسها، وإلا سينطبق علينا تقريع الشاعر لذلك
الرجل المنصرف عن تعليم نفسه إلى تعليم غيره،
وقبل أن نطالب الآخرين بأن يقيموا موازين
القسط والعدل، لابد لنا قبلها أن نتخذ الخطوات
الجادة والصحيحة لإقامة العدل بين ظهرانينا،
وقبل أن نقول أن مجلس الأمن غير ديمقراطي
لاستئثار القوى العظمي بحق النقض فلنرجع إلى
تجربتنا التي ترزح تحت وطأة نفس المعضلة منذ
نشأتها، وإلا فكيف ننكر على غيرنا أمراً ثم
نركبه ولا نبالي؟!.
وإذا كانت خارجيتنا قد صدحت بالقول على لسان
أمينها عبد الرحمن شلقم في كلمته الضافية حين
قال 'وإن أي إصلاح لا يشمل مجلس الأمن وينتج
عنه تفعيل دور الجمعية العامة، سيكون محدود
التأثير ولا يلبي مطالب شعوب العالم'!، فكيف
يا ترى لا نلتفت إلى دور مؤتمراتنا الشعبية
مسلوبة الإرادة مشتتة الذهن مفرغة من محتواها،
موضوعة تحت الوصاية، مهددة قراراتها بحق النقض
الثوري، وهيمنة الشرعية الثورية، كيف ستلبي
هذه المؤتمرات واللجان مطالب شعبنا إذا كان
عدم تفعيل الدور حائلا دون ذلك كما ترى اللجنة
الشعبية العامة للتعاون الدولي ذلك في شأن عدم
تفعيل دور الجميعة العامة للأمم المتحدة؟ كيف
وصلت لجنتنا إلى هذه القناعة ونحن نتجاهلها في
اقرب المؤسسات إلينا؟ بل ولا نريد حتى مجرد أن
ناقشها؟ ونعتبرها من المحرمات؟
كيف نطالب بالشفافية في المؤسسة الدولية ونحن
لا نكاد نعرف من مسمى الشفافية حتى الدلالة
اللغوية بله المضمون السياسي والاقتصادي لها؟
كيف توضع الأجندة السياسية للدولة؟ كيف توضع
السياسيات والخيارات والتوجهات الإقتصادية
فيها؟ هل فعلا يمكن تقديم البرهان والدليل
المقبول عقلا أولا ثم واقعا ثانيا بأن
المؤتمرات الشعبية هي فعلا من يضع ذلك؟ وهل
تضعها بكامل حريتها أم هي قاصرة وتعيش تحت
الوصاية -وصاية الترشيد الثوري وحق النقض-
وبالطبع فنحن نعيش التجربة ولا يمكن أن يبرر
تساؤلنا بأننا لا نفهم ما يجرى!
ولسنا نتساءل لنسف الوضع القائم؟ ولكن هي مجرد
مقارنة بين كلمة 'الجماهيرية' وبين ما تعيشه 'الجماهيرية'،
إن كنا نريد أن يكون لكلامنا تأثير في المجامع
الدولية، وأن نقدم نموذجا مقنعا للآخرين، وقد
أصابت كلمة الأمين كبد الحقيقة في توجيه
الكلام للأعضاء الدائمين بمجلس الأمن كما نقلت
عنه أوج ذلك 'ودعت الكلمة الأعضاء الدائمين
بالمجلس إلى عدم إعاقة جهود الإصلاح، وأن
يفسحوا المجال لإصلاح حقيقي للأمم المتحدة
يجعل سلطة القرار في يدّ جميع أعضائها، أي في
يدّ الجمعية العامة التي تتساوى فيها أصوات
جميع الدول، ويصبح مجلس الأمن أداة لتنفيذ
قرارات الجمعية العامة، وذلك من أجل تجاوز
الوضع الحالي الذي أصبح فيه مجلس الأمن جهازا
مسيطرا وغير منصف يطبق معايير مزدوجة ، ويخلو
من الديمقراطية ، ويساء فيه إستخدام إمتياز
النقض'.
فهذا كلام يكتب بماء الذهب ولا ينقصه شيء! سوى
'المصداقية الواقعية'، أي أن نكون فعلا
مقتنعين بهذا الكلام فنجسده على أرض الواقع،
لا أن نكون نحن أول من يخالفه في مؤسساتنا
السياسية، والتي تعاني من أزمة 'التفريغ من
المضمون' واستحالتها إلى هياكل فارغة من أي
مضمون، وديكورات لا تختلف عن هيئة الأمم في
شيء.
ومن هنا تتجدد الدعوة إلى أن نلزم أنفسنا أولا
بإجراء الإصلاحات المماثلة لتلك التي نقترحها
على الآخرين، احتراما لأنفسنا واكتسابا
للمصداقية الدولية.
فما أحوج مؤتمراتنا ولجاننا الشعبية أن تعيش
هذا الإصلاح قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة
ومجلس أمنها، لأن ما نقترحه عليهم من إصلاحات
ليس له نفس الأهمية لما نحتاجه نحن داخليا من
إصلاحات باتت ضرورية وغاية في الأهمية مثل
الهواء والماء.
وقبل أن نطالب المستعمرين القدامى بالاعتذار
لشعوبنا وتعويضها عن فترة الاحتلال، علينا نحن
أولا أن نعتذر لشعوبنا وأن نرد إليها حقوقها
وننصف المظلومين ممن تضرروا من السياسات التي
تتخبط فيها الدولة يمنةً ويسرى، والمظالم التي
حدثت جراء انفلات أجهزتنا الأمنية من عقالها،
واسرافها في استخدام القوة وتجاوزها
لصلاحياتها وممارسات رجالاتها وقيادتها
الممنهجة خارج نطاق القوانين والتشريعات
السائدة، فحريا بنا وقبل أن نطالب الآخرين
باحترامنا علينا نحن أولا أن نحترم شعوبنا
وأنفسنا، ولا يخالف منا القول العمل.
أما ما جاء من حديث عن 'الإرهاب والدعوة إلى
دراسة جذوره؟' فهو كلام في غاية النضج والصواب،
ولكن هل قمنا نحن بهذه الدراسة على المستوى
المحلى؟ هل جلسنا ووضعنا رؤية مجتمعية شاملة
لكيفية احتواء المجتمع لهذه الظاهرة؟ أم ركنا
مثل غيرنا فقط إلى المدخل والحل الأمني؟ للأسف
إننا نقع في الأخطاء نفسها، فإلى إي حل يا ترى
ندعوهم كي يفكروا فيه؟ إلى مزيد من الإجراءات
الأمنية؟ أم إلى مزيد من تقنية الرقابة
والتتبع واستراق السمع والتجسس؟ أم إلى فتح
مزيد من الوظائف والتجنيد في الأجهزة الأمنية؟
أم إلى زيادة ميزانياتها؟ أم إلى توسيع دائرة
نفوذها؟ وهل حقق لنا ذلك الأمان؟!.
إن ظاهرة الإرهاب مسؤولية الجميع وليس فقط خطأ
أولئك النفر من الشباب المتبرم من الأوضاع
القائمة، والساخط والصاخب بأعلى صوته على
الظلم والطبقية وسحق الإنسان وإهدار كرامته في
ضياعه في أوطانه، إلى التضييق على الدعوات
الوسطية وإلى تغييب دور العلماء الربانيين
والتضييق عليهم، إلى غياب المؤسسات الفاعلة
ذات الحضور الحقيقي لاستيعاب الشباب وجدانيا
وعاطفيا وفكريا وماديا، بما يطور مواهبهم
وافهامهم لدورهم في الحياة ويحث قابلياتهم
واحترامهم للمجتمع وقيم الخير فيه، إلى غياب
الثقة بين المواطن والدولة، إلى حزمة من
الأسباب آخر حلقاتها هم أولئك الشباب الضحية.
أما ما ورد حول توظيف مسألة حقوق الإنسان
للضغط على الدول الضعيفة، فكلمة ظاهرها صحيح،
ولكن يسبق هذا أن نتساءل هل للإنسان حقوق في
تلك الدول؟ هل احترمنا تلك الحقوق؟ وإن لم يكن
هذا مبررا للسياسة الدولية مزدوجة المعايير في
محاسبتنا على اهدارنا لحقوق الإنسان، إلا أن
ما يعنينا نحن مباشرة هو موقفنا نحن من القضية
قبل أن نطالب غيرنا بأي شيء فيها، حتى مع تحسن
حالة حقوق الإنسان في ليبيا بعض الشيء إلا أن
عاقلا لا يمكنه أن ينكر أننا مازلنا في وهدة
سحيقة من الخروقات والإهدار للحريات العامة
وحقوق الإنسان ومن أبسطها حرية الصحافة التي
تعتبر رجس من عمل الشيطان، وهرطقة، يعاقب
المنادين لها بالحرق في محاكم التفتيش، وما
دام 'البروكسي' (نظام حجب المواقع الإلكترونية)
يعمل بأقصى كفاءته بعد أن تم تركيبه في مبنى
المؤسسة العامة للصحافة الليبية!!.
وآخر ما يدعو إلى الوقوف والتأمل في كلمة
الأمين، حديثه عن التنمية المستدامة، بمعني
الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة من أجل حفظ
حقوق الأجيال القادمة، وأن لا يكون جيلنا
أنانيا ويستنفذ الموارد الراهنة دون أن يخصص
شطرها من اجل بناء بنى تحتية تستعملها الأجيال
القادمة من اجل استمرار التنمية، وعدم توقفها
بنفاذ الموارد الطبيعية المتوافرة الآن، وقد
كان هذا توجه قمة الألفية، وطولبت الدول بوضع
خطط وطنية لرؤيتها للتنمية المستدامة، وقد
تقدم الكثير من الدول بخطط التنمية المستدامة،
فهل عكفنا نحن على خطة التنمية المستدامة؟ أم
هي مجرد مصطلحات نستعملها في المحافل الدولية؟
أين الخطة الوطنية للتنمية المستدامة، وقد
سبقنا الكثير من الدول الأفريقية إلى وضعها،
وتحصلوا على الدعم الدولي لإنجازها، وبقينا
نحن في معالجات آنية تشغلنا عن تقدير مصالح
الأجيال القادمة من أحفادنا.
وعلى الرغم من كل شيء، فإن ما ورد في الكلمة
يمثل الحق للمجتمع الدولي، ولكن التعليق هنا
عن المفارقة بين الكلام والفعل، فكم نتمنى أن
يصدق العمل القول لتزدهر ليبيا ويرفل أبناؤها
في النعيم والرخاء، وعندها نكون قد احترمنا
أنفسنا وفرضنا احترامنا على الآخرين بالقول
والعمل معاً.
سليمان دوغة ليبيا اليوم