الصفحة الرئيسية

   

الصفحة الرئيسية

      

لـيـــبــيا الجــــديـــد ة

 

 

 


من أوراق سائق الفراري الشوماخر الليبي
 

بقلم: محمد الجراح


 
اعرف ان هناك تراقب جيداً عداد السرعة الذي امامك بالسيارة الجديدة ( مبارك.. مبارك ) لكي تسيق كل آثار الزمن , فأنا اعرف انك تقرأ الآن ما اكتب عنك ولكي يتصبب كل حبات العرق المدفونة على جبينك النقي , اني اعرف كل شيئ يا شوماخر وكل شيئ , فأنا اعرف النقاء وبياض الأشياء وكذلك سوادها كما اعرف مئذنة جامعنا العتيق وكما اعرف شجرة الزيتون التي بجوارنا فأنا اعرفك تماماً ايها الشوماخر كما اعرف غياب هذا النهار الى ليلٌ آخر .
 
فأحببت ام لم تحب فكل الأصدقاء اطلقوا عليك اسم ( الشوماخر )... فليست لديك أي حجة بعدما امتلكت تلك الهوندا الموديل 79 , والتي قد جمعت ثمنها ولمدة طويلة , اتذكر يا شوماخر .. وما أوصيت به ( مسعود ..الشاب الذي يخدم على حاله ) بتلك الليلة وفبيل سفره لهولندا لجلب السيارات المستعملة , بل و قد أرهقته واتعبتعه وألححت عليه بشدة بأن تكون تلك الهوندا ( أنظيفــة ) , وانت تدفع سعرها المبرمج الكترونياً الـ 200 دولار عداً ونقداً وكأنهن مال قارون او مصرف ليبيا المركزي , نعم الدولة الليبية لديها مصرف وبنك مالي يسمى المركزي فيا ويا ( سبحان الله ويا سبحان الله .. فليخلقه شئون ) ... ومسعود يقول لك ( ما فيش يا شوماخر بهذه 200 دولار سعر لسيارة إلا خردة .. وانت بتكابر وتأفف تقول له .. تي فيه ..تي فيه ومية فيه ) و بكل عناد اقنعت مسعود هذا ... فماذا تريدنا ان نطلق عليك غير الشوماخر , نعم فلقد اشتريت تلك السيارة بذاك الثمن دون أي خجل كان , ولم يكون لمسعود حتى مليم احمر ليربحه منك , بل وربما قد دفع من جيبه هو لتكملة ثروتك الخالدة يا شوماخر خجلاً منك ... ولكننا بالعموم فرحنا كلنا بوصول الهوندا الزرقاء( الميتلك ) برغم مأساة الانتظار الطويل بجمرك الميناء , ولكن تلك الهوندا وصلت وفرحت كثيراً بغسلها تقريباً كل يوم , ولم تنام الليالي خوفاً عليها من السرقة الغادرة التي تحط بأنصاف الليالي على السيارات والممتلكات الفقيرة اصلاً بالبلاد , وقد كان الصمود للهوندا رائعاً كما تصمد كل الأشياء بالوطن و غصبن عن انف الزمن والتاريخ والأيام الصعبة... وبرغم مآسي الإطارات التي تباع مستعملة لرخص أثمانها والقطع الغيار بالرابش, اتذكر الرابش والسوداني وهو يكلمنا من فوق الخيال .. ونحن نقول له ( تي خمسطاش..خمسة عشر وهو ملح وإلحاحا على العشرين اجنية..خمسطاش ..قولنا عشرين يا زول لا ينقص فرش ) , نعم كان من المفروض ان تتحصل يا اخي شوماخر على جائزة للصبر والصابرين ببلادنا التي كثر بها الصابرين .
 
فهل تذكر يوم القبلي ذاك يا شوماخر وبوقت الظهيرة عندما تهاوت الهوندا بك لتجد ( عجلتين ) ذائبة , نعم .. نعم كانت ذائبة تلك العجلات يا شوماخر بفعل الزمن والعمر الافتراضي للأشياء , ومشكلتك انه لا يجود بالهوندا ( لا اكريك ولا اسكورطة ) وانت داير روحك امام الناس حاجة كبيرة , ولكن سخونة رياح القبلي والعجلات كانا كفيلا بهزميتك لكي تأتي على رجليك مشياً دون ان تترجى أي كان بالكوكب الأرضي لكي تركب معه ولو كان شوماخر الألماني ذاك , ولماذا ؟ لأن جيوبك اعتادت ان تكون خاوية ابدا الدهر , وكأنها بحالة عداء مع القروش و الفلوس والدراهم , ولكن ذاك اليوم الجهنمي هزمك لتضيف هزيمة جديدة لفصائل الهزائم المتعددة عبر جوفك النقي , وبهكذا انت يا شوماخر تتعرف بقداسة على الحلال والحرام ...ولكن ما قد ورثته من مال عن جدك ( الشوماخر الأكبر ) و برغم قلته كان ذاك الإرث المالي كفيل بأن يجعلك ببحبوحة على الأقل , ولكنك ما ان رأيت تلك الربطات المالية حتى ( حست فيها ) , نعم لقد حست فيها يمين ويسار وكأنك يا شوماخر مفجوع من حدث ما قد يحدث بفجأة , فأنا اعرف يا شوماخر انهن كانت ثلاثة الاف دينار لا غير ولا اكثر , ولكن تلك الثلاثة كانت ثروة بحساب الفقراء و بالنسبة اليك لتجعلها وتحولها الى ثلاجة و غاز وادبيشات للصغار ( واقطاف زايد آخر!!! ) وما ان وصل السي نهاية الشهر ذاك الا وانت (ديك امنتف ) او ربطة فجل ضربت كثيراً بشعاع الشمس الحارق و كما عهدناك دائما وابداً يا سي شوماخر , ولكي تزعج مدير الحسابات لديكم بالعمل ( ها ها .. وملوحاً اليه بيدك اليمنى بالأسفل يمين يسار وسراً ..ها ..ها ما فيش شي اخبار على الفليسات والمرتبات ) ..
 
ولكنك يا شوماخار علمتنا مبادئ جليلة عن الشرف و لم يكون انفك ابداً ليسقط يوماً برغم عنفوان الفقر الذي تعيشه البلاد , وكيف تحدثنا دائماً ان للصبر حدود ونهايات , وكيف ان المنطق اصبح غريباً لدينا وببلادنا , والتفاوت الإجتماعي , والضمان الإجتماعي والغير اجتماعي , وكيف ( البلعوط لديه المال وهو جاهل اما شوماخر العالي التعليم والثقافة فلا ) ..اليس كذلك ما تدونه وترسمه يا شوماخر بعقولنا ؟, لتحولنا وكما يقولوا الى رجعيين بالمطلق , اجل رجعية يا شوماخر بعرف بلادنا وأهلها , وانت ربما المسئول عن ذاك الصديق الذي تحول من رجعي الى كلب ضال والذي رحل لبلاد الفرنجة بعدما هرب من عتاة الشرفاء وقصاصهم العادل , وتلك كانت افكارك المتطرفة والهدامة التي تزكيها كل حين برؤوسنا التعبة , نعم افكار متطرفة يا شوماخر لأنها لم تتعود على البيع أوالشراء بالناس و لا تعرف سرقة الوطن واهله او تعرف ( كر الحبل ) , فلو كنت يوماً بائعاً للضمير والصدق والشرف لأصبحت ولكنت من الشر فاء وبالخط الأمامي لهم يا شوماخر , و كنت من اصحاب البزنس والهتاف والعياط ليل نهار بـ ( دوس على الرجعي والخاين ) وركوب سيارات اعالي البحار والقفار , وليزينوا خسرك بمسدس عيار 8 ملم , و كانت رائحتك نتنة حقيرة , اليس كذلك ؟
 
فأنا اعرف يا شوماخر انك تكره الروائح الكريهة و انك ونحن نشتاق ليوم كبير , كما نحن نشتاق ليوم عيد حقيقي , بل وحتى ذاك الديك المنتف ينتظر بذاك اليوم بفارغ الصبر برغم تأرجحة على جميع الحبال وانواعها والوانها الشتى .. اليس كذلك ؟ ولهذا فعندما اعترض ابنك المدلل الصغير عليك وليريك حذائه وهو اشلاء ( فلا تعرف منه لا قدم او غطاء ) , ولترد عليه بكل برودة وهدوء اعصاب ( غير ارجى يا ودي اشوية ) , ولتقول لنا انه اعترض بشدة وسميته بليلة وضحاها ( المعارض الصغير) وما اكثر المعارضين الصغار يا شوماخر ببلادنا , ولكنك تعرف يا شوماخر أن الاعتراض عيب , ويصل لدرجة العار ببلادنا , فهل حينما يفل ( ويعفس ) ابنك من ارض الوطن وبسبب وجود كم هائل من ( القاهير ) امامه وحوله , فهل شرعياً و عرفياً ومنطقياً ستطلق عليه رجعي وخائن بل وكلب ضال ؟, نعم فأنت يا شوماخر رجعي حقيقي وابنك الصغير ( اجليجلو) هو كذلك معارض ايضاً بالفطرة لأنه وجدك وليجدك ولحظه ونصيبه بالدنيا العاثر انت يا الشوماخر أمامه كأب ووالد ( فلا اعتراض هنا لحكم الله ), ولم يجد اب اخر غيرك يكون ( اكويس ) لطيف و محترم و بالجان الثورية مثلاً او اللجان الفضائية , فهؤلاء يا شوماخر اصحاب للمبادئ وهذا بالأعراف السائدة على تراب وطننا يا شوماخر , فهذا حظ عاثر و غريب (مشقعب ) لـ ( اجليجلو ) الأبن المدلل لشوماخر الأب .. نعم ايها السادة فإن اسم الابن الأصغر لشوماخر هو ( أجليجلوا ) , ولأنه اصيب بذاك الجليجلو ( مرض يصيب العيون ) ولم يستطيع ان يشتري له الوصفة الطبية المتواضعة من احدى الصيدليات التجارية بالبلد ولأن جيوب الشوماخر مخرومة و تعودت على الإفلاس وقلة الحال ..ولأن بلادنا اصلاً فقيرة لا يصح ان يعالج بها ( اجليجلو) بالبلاش ونرهقها بمجانية التطبب والعلاج .. فهذا عيب يا شوماخر ومن العيب ان تطلق على ابنك هذا الأسم و اللقب , ولكننا اسعفنا وانتقمنا بكل بد لجليجلو وبلادنا منك وسميناك انت الشوماخر سائق الفراري .
 
حسناً اتذكر اؤلئك الضيوف يا شوماخر الذين حلوا ونزلوا عليك فجأة والقادمين من الشرق الليبي .. وبالتحديد من مدينة سرت وكيف ( حست وارتعبت ) لقلة الحال والأحوال , ولكن أصدقائك كثر , وهذه ثروة بحد ذاتها , وكيف تذكرت حينها القصيدة الشعبية (راقد ريح حياتي ذبة نخنق بديكي عال الحبة ... خواجة يالي عندك ديك اترحب بالضيف اللي جيـك ) , ولكن تراث الوطن اصبح عميقاً لا تهزه الرياح العاتية والكرم ورفعة الخلق هي مقدسات بذاك التراث لا تتزعزع , ولكن خطوات الفقر تتضح عليك برغم انك تتعالى عليها كل حين وكل لحظة وما اكثر اللحظات تلك ..وانا اذكر كذلك يا شوماخر يا سائق الفراري علبة السجائر التي ابرزتها امام اؤلئك الضيوف العاليي المقام , والتي كانت تحضى بأربعة سباسي الدخان الوطني ( رياضي ) عداً وحساباً وربما كان احداها عقاب سبسي حاصل بذيل تلك العلبة الحمراء والبيضاء والزرقاء والتي عليها شعار لرياضي يجري ربما هو انت بالفعل يا شوماخر .. ولكن ضيوفك قد زينوا جيوبهم بعلب اخرى من ( المارلبورو الامريكي والروثمان ) الله ايحشم بيك , نعم ان اؤلئك الضيوف هم اقارب لأمك الطيبة وهم بمرتبة اخوالاً لك .. وهم من ساعدوك على تعيينك برغم انك من اصحاب التعليم والتخصص العلمي العالي , فلا يصح ان تقابلهم (بديك) لديه مجاعة خانقة و هو الثروة ربما الوحيدة لديك .. ولكن الذي حز بنفسك هو منظر تلك الهوندا وهي امعنقرة امام بيتك بكل فخر , ولكن السيدة الهوندا قد جابهت هذه المرة سيارات من اعالي البحار والقفار اليس كذلك ؟ بحيث انك تمنيت ان يأخذ تلك الهوندا المتهالكة احد الجنون ويبخرها بالبعيد وهي لم يعرف حتى الان كيف اصبح لونها مع الزمن والتاريخ الطويل (هل لونها ازرق ميتلك ) ام بني مسوَد من كثرة الصدا الذي تعج به .. اتذكر ذلك ام لا ؟ ,
 
حسناً يا صديقي ان اعتراضك على الأشياء هو منطقي لحد بعيد جداً وسؤالك المحوري دائماً لماذا نحن هكذا ؟ ولسنا كخلق الله قاطبة ! فلا الجيران مثلنا ولا غيرهم مثلنا حياة , فماذا تعني كلمة وطن ؟ لتسأل وتسأل , هل الوطن هو الوعاء الذي تشعر به بالمكانة والأمن والتراث والتاريخ والشوخ والأعتزاز والفرح ؟ ام هو هذا المكان الذي تشعر به بكل انواع الرعب والهزائم والخوف واللامان والحزن العميق لتكاثر مسببات تلك الهموم والأحزان , فهل شعر أباء اطفال الايدز ببنغازي مثلاً بوطن به آمان ؟ وهل شعر الناس بليبيا وبكافة المستويات والاختلافات بذالك الأمان ؟فأبداً لم يكون الوطن هو سيارة او بيت فاخر او مال , ان الوطن شيئ كبير جداً عالي الدرجة والمقام و هو الكينونة المقدسة التي تذود عنها الأجيال وتضحي تباعاً , فلقد ضاعت اوراق الوطن والمواطن ايها الناس , فلا يصح ان نكون هكذا جاثمين جالسين امام مرايا انفسنا , نحللها ونشتمها , ولا نداويها من كل الجراح والنقائض العاتية التي تخرب الوطن .....ولنا لقاء اخر مع اوراق اخرى لشوماخر قائد سيارة الفراري الليبية هذه المرة .
 
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
 
محمد الجراح /صديق لشوماخر / ليبيا
Freebird_freeland@yahoo.com