الصفحة الرئيسية

   

الصفحة الرئيسية

      

لـيـــبــيا الجــــديـــد ة

 

 

 


 

الموجة الرابعة.. الديمقراطية تواجه الديكتاتورية

 
سامح فوزي**

مايكل ماكفول 

إذا كان الحديث عن الموجة الثالثة للديمقراطية ارتبط باسم صمويل هانتنجتون Samuel Huntington، فإن الحديث عن الموجة الرابعة للديمقراطية يرتبط بأسماء عديدة في مقدمتها مايكل ماكفول Michael McFaul. والأخير ينتمي إلى الحزب الديمقراطي، وهو مدير معهد "الديمقراطية والتنمية وحكم القانون CDDRL"بجامعة ستانفورد Stanford، التي يعمل فيها أستاذا مساعدا للعلوم السياسية، بجانب عمله زميلا في كل من معهد هوفر Hoover الشهير بجامعة ستانفورد ومؤسسة كارنيجيCarnegie .

ويتوقع كثيرون أن يتحول هذا الباحث إلى سياسي يعمل في الإدارة الأمريكية في حال وصول الحزب الديمقراطي للحكم في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

من هانتنجتون إلى مايكل ماكفول

يرى هانتنجتون أن العالم مر بثلاث موجات للديمقراطية، الأولى استمرت من 1828-1926، والثانية من 1943-1964، تبع كل موجة ردة ديمقراطية قلصت عدد الدول التي تحولت بالفعل إلى المعسكر الديمقراطي. ولكن إجمالا فإن عدد الديمقراطيات التي خلفتها كل موجة أكثر من عدد الديمقراطيات التي كانت قائمة عند بدايتها، وهو الأمر الذي دفع باحثا مهما في مجال الديمقراطية هو Larry Diamond للحديث عما أسماه تعزيز الديمقراطية في البلدان التي جرى بها تحول ديمقراطي في سياق الموجة الثالثة التي بدأت في إبريل 1974 مع إسقاط الحكم العسكري في البرتغال، ووضع أطروحة مهمة لذلك.

نعود إلى مايكل ماكفول الذي قضى شطرا من حياته البحثية في دراسة التحول الديمقراطي في دول المعسكر الشيوعي سابقا، وحاول من خلالها أن يطرح ما يمكن أن نطلق عليه "نموذج الموجة الرابعة للتحول الديمقراطي"، وهو نموذج استقاه من نمط التحول في بعض الدول السابقة مثل صربيا وسلوفاكيا وكرواتيا وجورجيا وأوكرانيا، وسعي لتحديد نموذج للتحول الديمقراطي له اشتراطات محددة، انتفاء أحدها أو كلها قد يجعل التغيير الديمقراطي "شبه مستحيل"، إذن هذا النمط من التحول الديمقراطي -في تصور ماكفول- هو "نموذج" قابل للتعميم طالما توفرت اشتراطاته.

التهجين السياسي

الافتراض الضمني الذي يستند إليه نموذج مايكل ماكفول هو ما انتهى إليه كارل جيرشمان Carl Gershman -رئيس الوقفية الوطنية للديمقراطية NED- من أن الموجة الثالثة للتحول الديمقراطي خلفت وراءها أنظمة سياسية مهجنة Hybrid Regimes تحمل في طياتها بعض سمات الديكتاتورية والديمقراطية معا، فهي ديكتاتورية منفتحة، أو ديمقراطية مقيدة.

ومن أبرز ملامحها: المسحة الشكلية الديمقراطية سواء في إجراء انتخابات غير نزيهة، ووجود أحزاب غير فاعلة، ومنظمات مجتمع مدني تحت رقابة الدولة وأجهزتها، ومؤسسات إعلامية حكومية، ومستويات عالية من الفساد، وبرلمان ضعيف، وسلطة تنفيذية طاغية... إلخ. نموذج مايكل ماكفول يطبق -بسماته- في حالة وجود نظام سياسي مهجن يعطي مساحات حركة لقوى المعارضة يمكن استغلالها في تحقيق تحول ديمقراطي.

من هنا فإن النظام الديكتاتوري القمعي -بمعناه المطلق- مثل نموذج عراق صدام حسين، أو كوبا فيديل كاسترو، وإلى حد بعيد سوريا الأسد لا يمكن أن تعرف هذا النموذج لعدم وجود شروطه الأساسية. وهذه الأنظمة إما أن تصلح أمرها من داخلها فتبدأ في تحقيق قدر من الليبرالية السياسية وبالتالي تدخل في مصاف الأنظمة المهجنة سياسيا، أو تظل على شموليتها وانغلاقها وتسلطها، ويصبح أمر تغييرها رهنا بالتحول من خارجها سواء كان في شكل درامي عسكري مثلما حدث في العراق، أو في شكل أزمة اقتصادية طاحنة تخلخل دعائم النظام، أو وفاة الشخص القابض على زمام النظام الحاكم.

إذن نموذج ماكفول له اشتراطات تتعلق جميعها بحالة نظام يتأرجح بين الديكتاتورية والديمقراطية، ويصبح الأمر يتعلق بترجيح كفة المطالبين بالديمقراطية في مقابل الساعين إلى بقاء الديكتاتورية. وفي جميع الحالات التي بنى عليها الباحث نموذج التغيير لجأت قوى المعارضة إلى تفعيل الحقوق المنصوص عليها دستوريا، والاعتماد على قواعد اللعبة السياسية القائمة بدلا من السعي لتغيير شروط "اللعبة السياسية".

اشتراطات النموذج

نظام شبه قمعي

تلاشي شعبية رأس النظام

اتحاد المعارضة

فريق مستقل لمراقبة الانتخابات

عدد من المنافذ الإعلامية المستقلة

تعبئة الجماهير

انقسام وسط قوات الأمن

هناك عدد من الاشتراطات وضعها مايكل ماكفول لنجاح نموذج التحول الديمقراطي في الموجة الرابعة للتحول الديمقراطي:

نظام شبه قمعي

تعاني جميع الأنظمة القمعية بدرجات مختلفة من الترهل الذي قد يفضي إلى سقوطها. ولكن أي الأنظمة أكثر عرضة للتهاوي من غيرها؟ يرى ماكفول أنها الأنظمة السلطوية التنافسية Authoritarian Competitive ، أما الأنظمة كاملة الأهلية السلطوية فإن أمر خلخلتها يبدو أكثر صعوبة.

ومن الأمثلة على هذه الأنظمة السلطوية التنافسية صربيا، جورجيا، أوكرانيا... إلخ. في يوغسلافيا السابقة- على سبيل المثال- تولى سلوبودان مليسوفيتش الرئاسة في البداية في صربيا ثم في الاتحاد اليوغسلافي بالانتخاب، وبينما كان يواصل الإبادة العرقية لم يكن ديكتاتورا كامل النمو، اضطهد المعارضة السياسية لكن لم يحظر وجودها، وقمع الصحفيين وأصدر أوامر بتصفية بعضهم لكنه في الوقت ذاته سمح ببعض المنافذ الإعلامية المعارضة مثل محطة راديو B-92، وقد ساعدت الانتخابات المحلية والتشريعية قوى المعارضة على الزحف إلى مؤسسات الدولة السيادية واتخاذ موطئ قدم فيها.

من هنا فإن العناصر الديمقراطية في النظام سمحت بتحوله من الشمولية إلى الديمقراطية. وهو نفس الأمر الذي تكرر في جورجيا، فقد سمح الرئيس إدوارد شيفرنادزه بعمل بعض المؤسسات الديمقراطية مثل واحدة من أكثر محطات التلفزيون تأثيرا وهي Rustavi-2 وعندما حاول أن يلجأ إلى القمع لم يتمكن من ذلك على نحو مطلق، ليس لأن القوى الديمقراطية تصدت له، ولكن أكثر من ذلك لأنه لم يكن يمتلك الموارد التي تمكنه من ذلك. وتكرر نفس السيناريو في أوكرانيا من خلال زحف المعارضة لمؤسسات السلطة بدءا من الانتخابات البرلمانية، والاعتماد على وسائل الإعلام الحديثة في التعبئة.

تلاشي شعبية رأس النظام

تتعدد مظاهر تراجع شعبية القيادة السياسية القائمة، بعضها يعود إلى هزيمة عسكرية، أو إلى أزمة اقتصادية شاملة، أو تنامي الفساد. مثال على ذلك سلوبودان مليسوفيتش، فقد استطاع أن يحصد تأييد قطاعات شعبية واسعة في عدد من الانتخابات الحرة النزيهة، إلا أن الهزيمة العسكرية التي مني بها على يد قوات حلف الناتو عام 1999، والتراجع الاقتصادي قلص من مساحة التأييد الشعبي التي كان يتمتع بها.

نفس الأمر ينطبق على إدوارد شيفرنادزه الذي تعرض حكمه لحملات من جانب الإعلام المستقل بشأن تنامي معدلات الفساد، وتحول قضية "النزاهة السياسية" إلى قضية أساسية في الانتخابات البرلمانية عام 2003. يضاف إلى ذلك عدم قدرة شيفرنادزه على تسوية عدد من المشكلات الحدودية. وفي أوكرانيا استطاع كوتشماKuchma أن يحقق الفوز في الانتخابات الرئاسية عامي 1994 و1999 وصفت بأنها نزيهة نسبيا، وبلغ معدل التنمية الاقتصادية نحو 12% عام 2004، ورغم ذلك فإن تنامي معدلات الفساد واغتيال الصحفي جورجي جونجادز قلص كثيرا من شعبيته، وكشف غياب شرعية كوتشما والمتحالفين معه.

اتحاد المعارضة

توحد المعارضة هو العامل الثالث لتحقيق تحول ديمقراطي في الأنظمة شبه السلطوية أو شبه الديمقراطية. وفي حالات كثيرة كان المحفز الرئيسي لاتحاد المعارضة هو إحداث تغيير ديمقراطي. في صربيا رغم الخلافات التي دبت بين قوى المعارضة طيلة التسعينيات من القرن الماضي، ففي يناير 2000 قررت القوى الديمقراطية إنشاء ما عرف باسم "المعارضة الديمقراطية لصربيا".

وهذا التجمع استطاع الاتفاق على مرشح واحد لخوض الانتخابات الرئاسية هو فويسلاف كوستنيكا Vojislav Kostunica، وفي هذا التوقيت كان كوستنيكا يرأس حزبا صغيرا هو "الحزب الديمقراطي لصربيا"، ولم يكن يتمتع إلا بحضور عام محدود، وفي أوكرانيا لم يكن إبرام اتفاق بين القوى السياسية سهلا نظرا لوجود "الحزب الاشتراكي" القوي الذي كان اتفاقه مع القوى الليبرالية صعبا، يضاف إلى ذلك عدم وجود زعيم للمعارضة يخوض الانتخابات في مواجهة الرئيس كوتشما. اللافت للنظر أن الأخير ساعد على نشوء جبهة معارضة ضده، وذلك بعد أن قام بإقالة رئيس وزرائه فيكتور يوتشينكو Victor Yushchenko الذي استطاع تحالفه المعروف باسم "أوكرانيا لنا" Our Ukraine أن يحصد ربع أصوات الناخبين في الانتخابات البرلمانية عام 2002، وهو ما جعل هذا الرجل الذي يمتلك خبرة تقنية وسياسية يقف زعيما للمعارضة في مواجهة الرئيس كوتشما في الانتخابات الرئاسية عام 2004.

فريق مستقل لمراقبة الانتخابات

رابع عامل مهم في تحقيق التحول الديمقراطي في صربيا وأوكرانيا وجورجيا هو وجود مجموعات مستقلة لمراقبة الانتخابات. في صربيا لعب "مركز الانتخابات الحرة والديمقراطية" في كشف التزوير في الانتخابات عام 2000، وفي جورجيا كانت هناك فرق من المراقبين المحليين والأجانب بلغ عددهم نحو 8 آلاف شخص، هؤلاء استطاعوا كشف تزوير الانتخابات، أما في أوكرانيا فقد لعبت "لجنة الناخبين الأوكرانيين" دورا مهما في مراقبة العملية الانتخابية عام 2004.

عدد من المنافذ الإعلامية المستقلة

في لحظة التحول الديمقراطي يجب أن تتوفر عدد من المنافذ الإعلامية التي تستطيع أن تنقل إلى المجموع الشعبي أنباء عن تزوير الانتخابات، في صربيا لعب هذا الدور محطة راديو B-92 ، يضاف إليها شبكة إعلامية تحمل اسم ANEM مكونة من وكالة أنباء وعدد من الصحف اليومية والأسبوعية المستقلة ومحطة تلفزيون.

وقد أسس هذه الشبكة شخصية مهمة هي Goran Matic أحد المؤسسين لمحطة راديو B-92، هذه الشبكة الإعلامية استطاعت أن تبث أخبار تزوير الانتخابات لقطاعات شعبية عريضة، مما أسهم في اتساع نطاق المتظاهرين.

وفي جورجيا استطاعت محطة تلفزيون Rustavi-2 أن تقدم من خلال برنامجها الشهير 60-minutes نقدا للرئيس شيفرنادزه، وهي نفس المحطة التي نشرت على نطاق واسع أنباء عن تزوير الانتخابات، ونقلت على الهواء مباشرة حركة الجماهير الهادرة في الشارع ضد تزوير الانتخابات. وفي أوكرانيا حيث وقعت وسائل الإعلام في يد فئة أوليجاركية وثيقة الصلة بالرئيس كوتشما، استطاعت قوى المعارضة الوصول للجماهير بوسائل الميديا الحديثة مثل الإنترنت ورسائل التليفون المحمول، يضاف إلى ذلك قناة تلفزيونية صغيرة -سميت فيما بعد القناة الخامسة- اشتراها أحد الموسرين وثيقي الصلة بزعيم المعارضة فيكتور يوتشينكو.

تعبئة الجماهير

إن قدرة المعارضة على تعبئة الجماهير بأعداد ضخمة للنزول للشارع للتعبير عن رفض تزوير الانتخابات هو عنصر حاسم في إحداث التحول الديمقراطي، ففي الدول الثلاث صربيا وجورجيا وأوكرانيا، لعبت الحركات الطلابية حديثة التشكل دورا في التعبئة، وتقديم الخدمات اللوجستية.

وظهرت حركات تحمل اسم Opter في صربيا، وKmara في جورجيا، وPora في أوكرانيا. في صربيا -على سبيل المثال- خططت المعارضة لمظاهرات شعبية حاشدة، بالتعاون مع Opter ومنظمات المجتمع المدني بلغ عددها نحو مليون شخص، وعندما اقتربوا من العاصمة تبينت قوات الشرطة أن من الصعب عرقلة سيرهم ولاسيما أن بعضا منهم كانوا مسلحين، وفي يوم 5 أكتوبر 2000 في غضون ساعات قليلة استولت المعارضة على مبنى البرلمان، وفي اليوم التالي مباشرة استقال سلوبودان مليسوفيتش.

انقسام وسط قوات الأمن

العامل الأخير، في نموذج مايكل ماكفول في تحقيق التحول الديمقراطي في الموجة الرابعة هو ضرورة وجود انقسام في صفوف من يحملون السلاح على نحو لا يجعلهم يتجهون لقمع المتظاهرين ضد تزوير الانتخابات، ففي صربيا -على سبيل المثال- أصدر مليسوفيتش أوامره لقوات الأمن بقمع المتظاهرين من حركة Opter إلا أن الكثير من قيادات الأمن رفضت ذلك، ومع تزايد أعداد المتظاهرين على نحو غير مسبوق بدا واضحا أن أيام مليسوفيتش في سبيلها للانقضاء.

وفي أوكرانيا أثمرت الاتصالات بين قيادات المعارضة وقيادات أمنية إلى إغلاق السبيل أمام أية مواجهات دموية مع المتظاهرين، الذين شرعوا في وضع المتظاهرات في صفوفهم الأولى، وهو ما جعل قوات الأمن تمتنع عن استخدام القوة. وكذلك في جورجيا عندما احتج المتظاهرون على حكم شيفرنادزه، واقتحموا البرلمان مطالبين ليس فقط بالاعتراف بنتيجة الانتخابات البرلمانية، ولكن أيضا برحيل شيفرنادزه ذاته.

ومن الواضح أن الأخير امتنع عن استخدام القوة الخشنة في مواجهة المتظاهرين حفاظا على صورته "الإصلاحية" المأخوذة عنه إبان الدور الذي لعبه إلى جوار الرئيس ميخائيل جورباتشوف في أواخر عهد الاتحاد السوفيتي.


**  كاتب مصري.
عن اسلام اون لاين