الصفحة الرئيسية

   

الصفحة الرئيسية

      

لـيـــبــيا الجــــديـــد ة

 

 

 


 

بداية الإصلاح تبدأ من النفس
 
د. عبد الله بن بجاش الحميري

 

بداية الإصلاح الحقيقي لكل أمور الحياة لكل مجتمع وخاصة المجتمع المستخلف في الأرض على هدي الرسالة الخاتمة لابد أن يبدأ من إصلاح النفس وتغييرها من واقعها الآسن إلى واقع متجدد الطاعة والامتثال واتباع منهج المستخلف لها، وبغير ذلك لن نستطيع أن نصلح غيرنا ولن ننقذ أمتنا من واقعها المر وتخلفها المتراكم في كل ميادين حياتها الدينية والدنيوية قبل إصلاح أنفسنا إصلاحاً مبنياً على قواعد شرعية في العقيدة والعبادة والأخلاق والسياسة الشرعية والقيادة المنتجة، ومن هنا كان من أنواع الجهاد جهاد النفس والمراد به القيام بإصلاح النفس وإصلاحها يكون بنقلها من الواقع الناشئ عن تشريعات البشر  وانتشالها منه إلى الواقع المراد لها بتشريعات رب البشر وذلك هو التغيير الذي ينقلها من واقع سيء إلى واقع يملؤه السعادة ويقود البشر إلى آفاق رحبة في السيادة وسمو الحياة تحت ظلال الوحي الرباني وتشريع الخالق الذي ضمن لكل فرد حقه المستحق له في الحياة،فالنصر مثلا وعد الله لعباده لكن لابد له من تحقيق سنة التغيير لنحصل عليه وسنة التغيير الإصلاحية لتحقق النصر حددها المولى عز وجل فقال لنا في كتابه الكريم: { إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } [ محمد: من الآية 7 ] فكيف ننصر الله في المعركة قبل أن ننصره في نفوسنا بتغليب قبول أوامره واجتناب نواهيه على قبول  أوامر أهواء النفس واتباع الشهوات والرضوخ للشبهات .
ومن هنا بذل الرسول صلى الله عليه وسلم جهداً كبيراً في تغيير أنفس أصحابه وعالج أمراض نفوسهم حتى قدموا مراد الله ومراد رسوله على مراد أنفسهم ووصلت بهم إلى أن أحدهم يستكثر الجلوس برهة لأكل تميرات يقمن صلبه في المعركة ويراه مؤخرا لوصوله لموعود الله له في الشهادة فيلقي التميرات ويتوجه إلى الميدان شاهرا سيفه يطلب النصر أو الشهادة .
وهذا عمرو بن الجموع قيل له قد عذرك الله من القتال لأنه كان أعرجا فأقسم ليطأن الجنة بعرجته و توجه إلى المعركة وهو يعلنها مدوية: إني لأجد ريح الجنة من قبل أحد !
إن هذه المبادرات لنصر الله والدفاع عن دينه لم تكن لولا إصلاح النفوس وعلاجها من أمراض الشبهات والشهوات، ولقد تحدث الله عن فريق لم يصلح نفسه فكان دائما متشائماً منهزماً, { الذين يتربصون بكم فإن كان لكم نصر من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين } { يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا * ولو دخلت عليهم من أطرافها ثم سئلوا الفتنة لأتوها وما تلبثوا بها إلا قليلا } { ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني } ؟! إذا فانتصارنا على أنفسنا وجهادنا لتغييرها إلى التخلص من فساد التصور وفساد العمل وجموح الطمع وعدم متابعة الهوى والشهوات هو البداية لانتصارنا في المعركة.

بداية التغيير
ومن هنا كان أطباء النفوس من المربين الربانيين والدعاة الملهمين يقولون في دروسهم " ميدانك الأول نفسك، إذا قدرت عليها كنت على غيرها أقدر، وإذا عجزت عنها كنت عما سواها أعجز " ، سيطِر على نفسك أولاً، فإذا كنت أنت عندما تظهر لك فتنة تُفتن، فإذا لم تقدر على هذه فكيف تقدر على القيام بمهمة الدفاع عن الإسلام والدعوة له وإقامة دولته وهذا القرآن قدجعلها قاعدة جلية يوم أن أصلها تأصيلا لايقبل التبديل ولا الجدل حيث قال ربنا جل في علاه { إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ } [ الرعد: من الآية 11] ، ولقد عرض لنا القرآن صورا من صور  الانهزامية أمام النفس والفشل في مقاومة الهوى وأمر رسوله أن يتلوها علينا حتى تكون معالم الانهزام واضحة لنا فنبتعد عنها ليتحقق لنا النصر ومن تلك الصور صورة ذلك الذي ترك آيات الله وانسلخ منها بع أن علمها وفهمها وتحملها، كما قال تعالى: { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ }.
إن هذا مثل رجل عرَف هذه الآيات وكان يستطيع القيام بها، لكنه رفض هذا، وانظر إلى تعبير القرآن (فانسلخ) كيف هو يترك هذه الآيات؟ مَن المستفيد هنا؟ إنه الشيطان { فأتبعه الشيطان }، فهو مَن يفرح به في هذا الحال ، { وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ } لقد فرح عندما وصل إلى هذا الحال، فلماذا يتعب نفسه ويجهدها بالقيام؟! إن الخلود إلى الأرض هو الذي أخر عوامل النصر عن صحوتنا المباركة وانسلاخ بعض أبنائها عنها بعد أن أوتوا الآيات ووعوها وفقهوا مايلزمهم لهو أكبر عائق أخر النصر وسمح للأعداء بطول دولة الباطل وطول ليلها بهذا المعوق الأليم داخل الأمة وبين صفوف حملة مشاعل الهدى من القواعد إسلامية لإصلاح الأنفس .
تزخر تعاليم الإسلام بكثير من قواعد توجيهية لإصلاح النفس، وأعظم تلك القواعد هي أداء أركان الإسلام الخمسة على الوجه المطلوب شرعا فالشهادة تعني التحرر من كل الآلهة والتمرد على كل تبعية بشرية تفرض نفسها وتجعلها آلهة مقدسة فالحلال ما أحلت والحرام ماحرمت والشريعة ماتسنه من قوانين تكفل لها ولذريتها من بعدها البقاء والتسلط والاستبداد والاستعباد والاستذلال، كما تعني الشهادة إخلاص الأعمال القلبية والقولية والعملية لله رب العالمين وعدم التوجه بشيء منها ولو قل لغيره من مخلوقاته مهما كانت منزلته وقوته وسطوته, والصلاة صلة يتصل بها المسلم بربه بكرة وعشيا وحين يظهر الظهر وحين يمسي المساء حيث أنه قبل أن يتوجه لفراشه يقف بين يدي ربه يعلن ولاءه وعبوديته له ويتلمس رضاه عنه وعفوه عن تقصيره غذ ربما نام فلم يقم بعدها, وحين يقوم من ونومه ويستقبل يومه يجدد له العبودية حمداً له على يومه الجديد والفسحة في عمره المديد, ويقف بين يديه يطلب منه التوفيق في أعماله النهارية الذي جعل له فيه معاشا, والزكاة تحرر المسلم من الخلود إلى الأرض وتطهره من داء البخل وتعلمه أن الإنسان وما يملك لربه, وفي الصيام  يمنع المسلم نفسه من الطعام والشراب يراه بعينه ويمر من أمامه وهو شامخ لايهتز لشهوة الطعام ولا يضعف أمام حبه له وطلب نفسه, فهي تربية رائعة لتهذيب النفس وإصلاحها في الشدائد، وهكذا يعرض المرء عن الزوجة ويعرض عن شهوته وإن كان يريدها لأنه مأمور بعدم الاقتراب منها فيمتنع عنها، فهو في هذه الحالة يتحكَّم في نفسه ويقودها إلى علو الهمة وشاطئ الأمان. وتعالوا بنا لنقف وقفات أوسع عند الصلاة وخاصة صلاة الفجر لا توجد أمة تقوم في هذا الوقت لتؤدي صلاةً لربها سوى أمة الإسلام، وهي صلاة تحتاج من الأمة جماعات وأفراد إلى قوة عزيمة وشكيمة في المحافظة عليها في بيوت الله لتنشر على الكون في الصباح الباكر تراتيل الآيات وترانيم الأذان حتى يبعد إبليس وجنوده عن المجمعات السكنية للمسلمين عندما يسمع صيحات ( الله أكبر) فيصاب بالهلع ويولي الأدبار ويعلم أن من فزع إلى صلاة الغداة قد حفظ منه ومن حزبه سائر النهار وحتى لا يجد له مكانا يلجأ إليه عند هروبه فيجب أن نردد جميعا كلمات الأذان ونسرع إلى الصلاة مع المسلمين في مساجدهم، وإبليس يحاول منع كل فرد من هذه القوة الإيمانية،ولذلك يبات طول ليله في حالة طوارئ واستنفار هو وجنده يضعون العقبات ويغرسون العوائق لكل منا حتى لا يثور من مرقده ويسرع إلى صلاة الفجر, وقد صور لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الجهد الكبير الذي يبذله الشيطان الرجيم ليصد العباد عن هذه الصلاة أكثر من غيرها فقال صلى الله عليه وسلم : ( يعقد الشيطان على ناصية رأس أحدكم ثلاث عقد إذا هو نام، ويقول في كل عقدة: نم عليك ليل طويل، نم عليك ليل طويل، نم عليك ليل طويل، فإذا استيقظ وذكر الله انحلت عقدة، فإذا توضأ انحلت عقدة، فإذا صلى انحلت عقده كلها، فيصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان ) .
ولعدو الله أساليب عدة يمنع بها العباد من الطاعة وهو يستعمل مع كل إنسان ما يناسبه، فإن كانت صلاة الفجر تشغل بالك فهو يحدثك بأن تظل بعض الوقت إلى أن يضيِّعَها عليك، وإن كانت لا تشغل لك بالاً، فهو يخبرك بأن تنام فأنت مرهَق ولا حاجة لك بها.

متى يتولى عنا زمن النوم ؟


إنه من اللوازم الشرعية لأهل الإسلام أن يعد كل منا  نفسه ويبادر لإصلاحها  كي يكون قادرًا على حمل رسالة الإسلام الشريفة، وحمل تلك الأمانة الثقيلة  التي أخبر الله بها نبيه، فقال موجهًا له الخطاب { إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً } [ المزمل :5 ]، وعندما تقول له زوجُه خديجة: نم قليلاً، يقول لها: ( لقد مضى عهد النوم يا خديجة ) وهو- صلى الله عليه وسلم- لإحساسه بعِظَم المسئولية والأمانة يعرف هذا الأمر، هكذا يكون الإعداد والإصلاح الذي هو بداية التغيير والله غالب على أمره ولا مبدل لحكمه .